الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 ما أروع المنافسة في الخيرات، وما أصدق الهمم التي تنهض بأصحابها حين ترى غيرها قد طرق بابا من أبواب العمل الصالح لم تطرقه بعد، وأصاب نجاحا في خدمة الانسان ربما لم يكن لها به سابق خبرة طويلة. وان مما يؤكد اصالة الشخصية المسلمة استعدادها لان تبذل الكثير في تطوير العمل الذي بين يديها بما يعود على الصالح العام، ويؤكد قدرتها على استثمار الفرص، بل وايجادها في نشر الوعي بين عموم أفراد المجتمع. وتعد مبادرة المنشآت العقابية في امارة عجمان في تنظيم مسابقة لحفظ القرآن الكريم خاصة بنزلائها في السجون خير دليل على صحوة العقل المسلم وحرصه على تخليص الفرد المنتمي الى هذا الدين من عوامل الضعف الذاتي التي ادت به الى المخالفة والانحراف، بغرض اعادة تأهيله ليمارس أدوارا نظيفة ليس فيها ما يجلب اللوم ويستدعي العقاب. وقد سبق ادارة المنشآت العقابية بعجمان الى هذا الفضل والشرف جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وما تفرع عنها من جائزة محلية اختصت بفئة الشباب من الجنسين من المواطنين والمقيمين في الدولة، امتدت بعد ذلك لتشمل المنشآت العقابية في امارة دبي، مؤكدة للجميع انها وجدت لتستمر، وتنمو، وتتواصل مع فئات مختلفة في ظروفها الشخصية، وأوضاعها الاجتماعية، ومتشابهة في حرصها على حفظ القرآن وتعلمه. ومن شأن تلك الحيوية التي صاحبت أداء فريق العمل القائم على تنظيم الجائزة والاشراف عليها ان تفتح المجال امام المصلحين والغيورين من أبناء هذا البلد لتعميم الفكرة، وخلق ظروف مناسبة يكون فيها القرآن الخيار الاول امام المؤسسات التي اوكل اليها اعادة تأهيل الفرد مثل دور رعاية الاحداث، او المستشفيات النفسية التي تتولى تقديم برامج علاجية للمدمنين على تعاطي المسكرات. أو الذين يعانون من أمراض نفسية عجز عنها الطب واستعصت على العلاج. وان مما تجدر الاشارة اليه فيما يرتبط بتنفيذ هذه المهمة الوقائية والعلاجية الهادفة الى ترميم العلاقة بين الفرد وبين دينه وهويته هو ضرورة ان يصاحب هذه الجهود دعم المؤسسات الاخرى ذات النشاط الاقتصادي والقدرة المالية، خاصة وان مؤسسة واحدة لا تستطيع ان تستوعب المزيد من الاهداف الطموحة بغض النظر عن حجم الميزانية المخصصة لها. ومما يحتم على الفعاليات الاقتصادية المشاركة في تنفيذ مثل هذه البرامج هو ان المستفيد الاكبر من تلك الجهود هو المجتمع الذي سيتعافى أعضاؤه المرضى، وستعود اليهم لياقتهم النفسية، حينما يغادرون السجن، وقد حفظوا اجزاء من الكتاب الكريم أحيت صلتهم بالله، وأعادت اليهم الثقة بأنفسهم وبالحياة من حولهم. وتأتي شهادة المسئولين في ادارة المنشآت العقابية بدبي لتؤكد هذه الصورة حيث لاحظوا تحسنا جذريا على سلوك أولئك السجناء، ولمسوا تغيرا ايجابيا في شخصياتهم، ورصدوا التزاما مع النظم واللوائح الداخلية لم يكن موجودا في السابق، مما يؤكد ان القرآن الكريم كان وسوف يبقى ملاذ هذه الامة، وان اختلف أفرادها بين المحسن والمسييء، وبين الصالح وبين المسرف على نفسه. ولئن كان المحسن ينعم في ظلال القرآن بالسكينة والثبات وقوة الارادة على تحمل مسئوليته تجاه دينه، فإن المخطيء قادر على ان يحظى بالأمان والشعور بالثقة بالنفس فيما لو فهم ان الخطأ في الاسلام ليس هو الحد الفاصل بين النجاح والفشل بل هو الحد الفاصل بين التراجع وبين اصلاح المسار!!