الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 حين ألقى الأستاذ محمد حسنين هيكل محاضرته الأخيرة والشهيرة في قاعة ايوارت التذكارية بالجامعة الأميركية، كان للكاتب الكبير فضل انعاش الذاكرة المعاصرة باسم القاعة وما ارتبط بها من تداعيات وذكريات. ولست أعرف بصراحة من هو «ايوارت» هذا الذي اطلقوا اسمه على قاعة المحاضرات والفعاليات التي ما يفتأون ينفذونها من فوق منصتها أو على مسرحها. أنا أعرف مثلا ان الجامعة الأميركية بالقاهرة تم افتتاحها عام 1920 وان أول رئيس «مدير» لها كان اسمه تشارلس واطسون الذي ترجع أصوله الى مراحل التبشير بالمذهب البروتستانتي في مصر منذ عام 1860 للميلاد، وأعرف أيضا أنه سبقتها الى النشاط التعليمي «الكلية السورية» التي وضعوا حجر الأساس لانشائها يوم 7 ديسمبر عام 1871 في منطقة رأس بيروت وهي من أجمل مناطق العاصمة اللبنانية وكان الأميركي الرائد في هذا المضمار هو دانييل بليس الذي جاء من ولاية أوهايو الى بوسطن حيث انتظم في سلك اللاهوت والتبشير وتزوج في سن الخامسة والثلاثين، ولم يكن قد مضى على زواجه ثلاثة أسابيع حتى ركب البحر قاصدا بلاد الشام وكان ذلك عام 1855 «شارع بليس هو أهم الشوارع المحدقة بالمبنى العتيد المفضي الى كورنيش البحر في بيروت الغربية، مبنى الجامعة الأميركية وهو الاسم الذي تحولت اليه الكلية السورية وكان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى. أعرف هذا كله والفضل في ذلك لكتاب قمت بترجمته منذ سنوات قليلة للمؤلف الأميركي الشهير روبرت كابلان ولكن هذه «المعارف» لم تبدد غشاوة «الجهل» بالسيد إيوارت الذي يزين اسمه لافتة القاعة الذائعة الصيت، ومع هذا كله تظل لقاعة ايوارت، ولا تنس من فضلك صفتها «التذكارية»، مكانتها في ذاكرة الثقافة العربية الجمعية، خاصة وقد كانت المحاضرات التي تلقى من فوق منبرها تشكل علامات فارقة عند مثقفي الجيل الماضي ـ جيل الثلاثينيات والاربعينيات ـ كيف لا وقد كان شباب ذلك الجيل يرتدي البدلة ذات الصفين «راجع هندام محمد عبدالوهاب في أفلام تلك الفترة» ويحبك الطربوش على حافة الدماغ ويرشق المنديل الحريري مطلاً مثل وردة بيضاء من الجيب العلوي للحلة القشيبة «راجع الملاحظة السابقة ايضا» ومنهم من كان يمعن في حسن السمت فيرشق قرنفلة ـ مثلا ـ في عروة الجاكيتة، ودع عنك المعجباني الذي يحرص على ان يرى الناس قلمه الحبر ـ الابنوس كما كانوا يسمونه ـ مطلا بدوره من الجيب المذكور اعلاه آية فصيحة على أن صاحبنا لا يطيق عن القلم بعداً ولا يتحمل بيناً ولا فراقاً، «كان الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز ـ صاحب كتاب التنّين في أصول الحكم ـ يتوكأ على عصا في اعلاها دواة للحبر مرشوق بها ريشة لزوم تدوين السوانح والأفكار. المهم أن شباب الثلاثينيات وربما الاربعينيات كانوا يتوجهون بعد اتخاذ اسباب الاناقة الى قاعة ايوارت في شارع الشيخ ريحان المتفرع من ميدان الاسماعيلية، «التحرير الآن» كي يسمعوا طه حسين في محاضرة عن الشعر الجاهلي أو يسمعوا محمود تيمور في محاضرة عن تطور المسرح العربي. من حسن حظنا ان واحدا من شباب تلك الفترة هو المرحوم الأستاذ حافظ محمود يحكي لنا شذرات عن قاعة «ايوارت» يقول: كانت «الأديبة» مي زيادة تحاضر في قاعة ايوارت عن الموسيقى والفن والأدب، ومن بين من شاهدناهم من محاضري القاعة الشاعر الهندي العظيم طاغور الذي قام وقتها بإثبات ان النبات يتأثر بالموسيقى، ولنا ان نتصور ـ يضيف حافظ محمود ـ ان واحدا من اعلام العصر مثل الدكتور طه حسين جاء ليفتتح الموسم الثقافي لقاعة ايوارت التذكارية في الثلاثينيات وكان وقتها عميدا لكلية الآداب ـ اذكر ان زوجته «السيدة سوزان» حضرت قبله بقليل فاستقبلها جميع الوزراء الذين جاءوا لحضور هذا الافتتاح وصافحوها وأفردوا لها مكانا في الصف الأول، ولفرط ذكائها فحين لمحت زوجها يدخل القاعة وقفت وصفقت له، فقام الوزراء وأكثر من ألف شخص كانوا في «ايوارت» وبدأ التصفيق حتى صعد طه حسين الى المنصة وألقى محاضرة الافتتاح. وبالمناسبة، يحكي الأستاذ حافظ محمود أيضا كيف ان قاعة ايوارت بالجامعة الأميركية كانت تخوض منافسة شريفة وبناءة ومفيدة مع موقع آخر قاعة الجمعية الجغرافية التي اختارتها جامعة فؤاد «القاهرة» لتقيم فيها موسمها الثقافي وتدعو فيه بدورها كبار المفكرين والكتاب والمبدعين، وتشاء المفارقات ان توجد القاعتان في مكانين متقابلين تواجه كل منهما الأخرى، هو في الزاوية التي تجمع بين شارعي الشيخ ريحان وقصر العيني وهي الزاوية التي تفضي الى ميدان التحرير الذي كان ـ كما ألمحنا ـ يحمل اسم الاسماعيلية نسبة بالطبع الى «أبو السباع» الخديوي اسماعيل الذي يرجع الفضل اليه ـ رغم اسرافه المالي ـ في تعمير وتجميل وجه قاهرة الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ومازال التراث المعماري الباذخ الجميل الناجم عن تلك الفترة قائما بين قصر عابدين الى ميدان العتبة الذي ان تجاوزته شرقا لأفضى بك الى قاهرة الفاطميين والمماليك في الازهر وان تجاوزته غربا لأفضى بك الى شوارع فؤاد وسليمان باشا وقصر النيل وكلها شواهد على قاهرة النصف الأول من القرن العشرين، هكذا كان الناس ـ المثقفون بالذات ـ يتجشمون مؤونة الذهاب الى حيث يسمعون محاضرات طه حسين أو محمود تيمور، ناهيك عن «السير» رابندرات، طاغور شاعر الهند الكبير ـ أول شرقي يفوز بجائزة نوبل لعام 1913 أو مي زيادة التي جاءت من جبل لبنان لتقيم في مصر وتكتب مقالات في الأدب والفلسفة والجماليات والاجتماع وتفتح في بيتها صالونا يؤمه كبار أدباء تلك الفترة، ما بين العقاد الى مصطفى صادق الرافعي، ومابين انطون الجميل رئيس تحرير «الاهرام» الى ابراهيم المازني بل وأحمد لطفي السيد، يقولون ان الآنسة مي كانت جميلة رغم ان صورها لا تدل في رأينا ـ المتواضع طبعا ـ عن باهر الجمال بقدر ما تدل على ما نسميه جمال الذكاء أو رونق الموهبة ولعل هذا بالضبط هو الذي جذب كل هؤلاء السادة الرجال الادباء يرتادون صالونها ويتقربون اليها ومنهم ـ كما يقال ـ من كان يهيم بها ويكلف بها كلفا شديدا وهو مصطفى صادق الرافعي، وهيهات، فقد كان الرافعي ـ عليه رحمة الله ـ رجلا شبه ريفي ثقيل السمع يتجشم وعثاء السفر آتيا من طنطا حيث كان يعمل باشكاتب المحكمة في عاصمة الدلتا، وربما كابد الرجل آلاما عظيمة في مجتمع كانت تحكمه ترسانة من التقاليد، ولكنها افضت إلى مشاعر عظيمة عبر عنها الرافعي بأسلوب شديد التفرد والخصوصية في أعمال كم كان يشغف بها الجيل المخضرم مثل «رسائل الأحزان» و«أوراق الورد» وغيرها. ولعلك تعرف من سيرة الآنسة مي كيف أنها ـ كما يقال أيضا ـ قد احتفظت بمشاعر من محبة غامرة نحو جبران خليل جبران، والمهم ان حاق بها ظلم ذوي القربى الذين استدعوها الى لبنان وربما نازعوها على ميراث فكان ان استضعفوها فأودعوها مستشفى العصفورية الشهير للأمراض العصبية، وحين أطلق سراحها عادت الى مصر مهيضة الجناح، محطمة الأعصاب، وعاشت ما تبقى لها من عمر فريسة لبارانويا الخوف والتوجس والاضطهاد وحين رحلت عن الدنيا رثاها العقاد بقصيدته ذات المطلع الشهير الذي يتساءل فيه: أين في المحفل «مي» ياصحاب؟ وعندنا ان العقاد لم يكن يرثي مي زيادة بقدر ما كان يكتب مرثية للصالون ولتلك الليالي الطيبة التي كانت تشهد تحلق صفوة من الفلاسفة والمفكرين والمبدعين يمضون الساعات الطوال في سمر وحوار اندثرت معالمه وضاعت وقائعه للأسف، فلا كان القوم يسجلون ما يجري ولا قيض لهم وقتها، شخصية فريدة بل وعجيبة تسجل هذه الوقائع بتفصيل الاختزال على نحو ما فعل رجل اسمه جيمس بوزويل عاش بين عامي 1740 و1795 وترك ذخيرة نفيسة أودعها دفة كتاب حافل من جزأين عن الدكتور صامويل جونسون مسجلا كل ما قاله جونسون وخلصاؤه في منتدياتهم الأدبية وكان ان خلدت بذلك تلك الأصوات والمواهب الباهرة التي ما برح يزدان بها أدب «أصدقائنا» الانجليز