الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 لعل من أبرز ما كشفت عنه الوثائق الأميركية التي أفرج عنها مؤخراً، أنها تضع بعض الملامح التي تكتمل بها صورة الصراع، الذي شهدته حقبة الستينيات، والأصابع العديدة التي لعبت في الخفاء حتى يصل الصراع الى نقطة الانقلاب الخطيرة في الخامس من يونيو 1967، ولكي نفهم أهمية هذه الوثائق فاننا يجب أن نشير مبدئياً الى مجموعة من الحقائق: فأولاً: تغطي هذه الوثائق مرحلة تعتبر من أشد حلقات التاريخ المصري المعاصر غموضاً والتباساً، رغم حقيقة أنها لا تفتقر الى اجتهاد العديد من الكتاب والمؤرخين الذين تناولوها (وربما كان ذلك نفسه هو السبب في غموضها والتباسها) ، فقد كتب عنها من عاصروها، كل من زاويته دون أن يتنزه تماماً عن غلبة الذاتي على الموضوعي، أو التناول الجزئي غير المنهجي الذي اقتصر على بعض الحقيقة أو على نمط فكري معين، أو توجه ايديولوجي بعينه. ثانياً: انه على كثرة ما قرأناه عن تلك المرحلة، فاننا لا نجد بحثاً أودراسة شاملة تشبه تحقيقات «لجنة أجرانات» في اسرائيل لبحث أسباب «التقصير» في حرب الغفران، فلقد لطمتنا النكسة وانطوينا على أحزاننا نلملم الجراح أو نلعقها، ونتأهب في صبر ومعاناة ونحن نحمل شعار «ازالة آثار المعركة» ، ولقد تجاوز اهتمامنا «بازالة تلك الآثار» أية محاولة جادة للتعرف على «أسباب تلك النكسة».. ثم جاء انتصار أكتوبر كي تأخذنا نشوته كأنها كأس أدار الرؤوس، فأصبحنا - وبشكل نفسي - نرفض مجرد استعادة تلك الفترة المظلمة القاسية التي عشناها في صيف 1967، لقد أغلقنا جرح النكسة بكل صديدها، وارينا ملفاتها في طي أفراح العبور،وهكذا تركنا جسدنا التاريخي حاملاً لذلك «الخراج» الكامن دون تنظيف حقيقي، أو محاولة مخلصة لمعرفة أسباب الاصابة التي يمكن أن تتكرر لأولئك الذين يغفلون أن أهم وسائل الوقاية هي الاستفادة من دروس الماضي. ثالثاً: اننا سلمنا بوجود أخطاء دون أن نحددها بشكل دقيق، أو اكتفينا بجلد الذات عقاباً على خطأ أو أخطاء لا تزال غامضة، ثم أنه حتى تلك الأخطاء التي سلمنا بها مثل غياب الديمقراطية مثلاً، أو ضعف القيادات العسكرية أو مراكز القوى.. الخ، لم تكن سوى مجرد اشارات أو قمم لجبال الثلج، فلا يمكن أن تنسب هزيمة بحجم نكسة 67 الى مجرد انفراد عبد الناصر بالسلطة، فالتاريخ مليء بحالات مشابهة لزعماء تاريخيين،ولم يكن انفرادهم بالسلطة سبباً في هزيمة جيوشهم، بل - على العكس - كان الهاماً ودافعاً على انتصارات باهرة، ونفس الأمر ينطبق على باقي الاشارات، فمثلاً موضوع ضعف القيادات العسكرية قد يكون احتمالاً قوياً أو سبباً من الأسباب، ولكن لا يمكن أن ينهض كسبب وحيد، فحروب العصور الحديثة لا تقتصر فقط على قادة الجيوش، ثم ان أغلب تلك القيادات لم يكن مطعوناً في قدرتها وكفاءتها، فمعظمها حصل على أعلى الدورات العسكرية في أفضل المعاهد العسكرية في العالم، وبعضها أدار معارك باهرة فوق جبال اليمن، ثم - وهو الأهم - أن أغلب تلك القيادات هي التي أخذت مصر كلها الى نصر أكتوبر العظيم. وموضوع مراكز القوى موجود - بدرجات مختلفة - في كل دول العالم، بل أن اسرائيل نفسها - التي خرجت منتصرة في تلك الحرب - لم تكن بريئة من وجود هذه المشكلة، ومذكرات قادتها تكشف عن مراكز القوى في المؤسسة العسكرية منذ نشأة اسرائيل (وحتى هذه اللحظة). رابعاً: انه لأول مرة في التاريخ - وقد تكون آخر مرة - يخرج الشعب - في مصر والعالم العربي - متمسكاً بالقائد المهزوم، ومهما قيل من تفسيرات غلب على بعضها الهوى، وانحرف بعضها الآخر عن الموضوعية، فان تلك الحقيقة لم يكن لها سوى تفسير واحد، وهو أن ذلك الشعب أدرك بحسه ووعيه التاريخي العميق أن رأس ذلك القائد كان الهدف الأول من هذا الهجوم العسكري، وأن الالتفاف حوله والمطالبة باستمراره يعني اجهاض أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للعدو. خامساً: أن الولايات المتحدة كانت - وما زالت - أبرز لاعب في سياسات الشرق الأوسط وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأنها - كدولة عظمى لها مصالحها في هذه المنطقة الحيوية من العالم - كان لا بد وأن يكون لها استراتيجية كبري تحقق أهدافها من خلال تكتيكات متصلة ومترابطة ومتطورة، ولا يمكن فهم ما حدث في المنطقة خلال النصف الأخير من القرن الماضي دون فهم هذه الاستراتيجية وما تضمنته من تكتيكات. سادساً: ان عملية صنع القرار هي واحدة من أعقد العمليات الانسانية، حيث تتداخل وتؤثر فيها عوامل عديدة، ولكن أبرز هذه العوامل هو العامل الانساني، فالانسان في النهاية هو الذي يستوعب ويهضم، ويتأثر ويؤثر في القرار النهائي، وقد يؤدي الفهم الخاطئ للمعلومات المتوفرة أو نقص المعلومات أو وصولها مشوهة (بعمد وبغير عمد) ، أو خطأ استخدام القياس المنطقي على الوقائع المتكررة، وغير ذلك من العوامل قد تؤدي الى اتخاذ قرارات خاطئة أو رد فعل خاطئ. بداية اللعبة: لكل ما تقدم تكتسب قراءة الوثائق الأميركية أهميتها، فهي تكشف بعض ما كان مستوراً، وتشير الى بعض الأخطاء الجسيمة في مواجهة بعض المواقف والتحركات، وستكون هذه الأخطاء من أبرز عناصر الطريق الذي أودى بنا الى النكسة. وفيما يلي سوف ندخل الى بعض عالم الوثائق الأميركية المدهش، كي نقترب من دوائر صنع القرار الأميركي، ونقرأ سوياً ذلك الصراع الدبلوماسي الصامت الذي دار بين العقول في عواصم مختلفة، والخيوط التي كانت واشنطن تجذبها بصبر وأناة وهي تحاول أن تغزل نسيج استراتيجية بعيدة المدى في الشرق الأوسط، ولسوف نبدأ مع تلك الوثائق في بداية عام 1964، ذلك العام الذي كان عاماً مثيراً بالنسبة الى مصر، حيث كانت ستشهد في مطلعه وتحديداً يوم 13 يناير 1964 مؤتمراً للقمة العربية، ثم في يوليو كانت ستشهد مؤتمراً للقمة الافريقية أيضاً، وقبل أن ينتهي العام كانت الاسكندرية ستشهد قمة عربية أخرى في شهر سبتمبر، ثم عادت القاهرة لتكون مقر اجتماع قمة أخرى لدول عدم الانحياز في 5 أكتوبر 1964 أي أربعة مؤتمرات للقمة في عام واحد !!. وكانت هذه المؤتمرات مجرد مظاهر على عودة قوية للسياسة المصرية للظهور على الساحة بعد انتكاسة الانفصال في سبتمبر 1961، تلك التي حطمت دولة الوحدة وزرعت شكوكاً هائلة حول دعوة القومية العربية التي كانت أبرز منطلقات النظام المصري، وبدا أن ذلك النظام بوقع هذه الانتكاسة قد انكفأ على نفسه، بل وبدأت أفكار «الوطنية المصرية» وعدم جدوى المحاور الأساسية التي انطلقت عليها المحاور السياسية المصرية، كانت أزمة ثقة بالنفس تتزايد باستمرار، خاصة بعد اجتماع مجلس الجامعة العربية في شتورا بلبنان، واتخاذه منصة للهجوم على مصر في صيف 1962، وفي نفس الصيف الملتهب أجرت مصر لأول مرة وتحديداً يوم 22 يوليو 1962 تجربة صاروخين مصريين أرض/أرض هما القاهر والظافر (وهذه الصواريخ سيكون لها دور كبير في بناء الموقف التفاوضي الاسرائيلي كما سيتضح من قراءة الوثائق) ، ثم تلى ذلك في سبتمبر من نفس العام قيام الثورة اليمنية، التي اندفع اليها النظام المصري في محاولة لاستعادة المبادرة مرة أخرى بعد انتكاسة الانفصال، وازداد تورط الجيش المصري أو عملية استدراجه الى جبال اليمن، وفي مطلع العام التالي 1963 كان الانقلاب الدموي في بغداد على نظام عبد الكريم قاسم، وتلت ذلك في ابريل محادثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، وبدأ النظام المصري بالفعل يستعيد قدراً كبيراً من الثقة ومساحة المناورة. وبدافع من هذه الثقة بدأ النظام المصري يتحرك بشكل ايجابي لانهاء خلافاته مع النظام السعودي، وكانت الفرصة التي سيتيحها مؤتمر القمة في بداية عام 1964 فرصة كبيرة لانهاء حرب اليمن التي كانت تستنزف دماء وأموال مصرية كثيفة، وأثرت بالفعل بشكل سلبي على الاقتصاد المصري. وأدركت الادارة الأميركية كل هذه العناصر، ودارت ما يمكن أن نسميه «دبلوماسية الخطابات» بين عبد الناصر وكيندي، وأصبحت الأمور في شكلها العام تشير الى بروز مصر مرة أخرى كعنصر حاسم في الشرق الأوسط، وكان لا بد من التعامل مع هذه الظاهرة اما «بالاحتواء» واما «بالعداء» ، أو بخليط ذكي بين السياستين، وقبل أن ينتهي عام 1963 وبالتحديد يوم 22نوفمبر قام لي هارفي أوزفالد باطلاق رصاصته القاتلة التي أودت بحياة الرئيس الأميركي جون كيندي، ليصبح ليندون جونسون (الذي لم يخف عداءه لمصر والعرب) رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. ـ كاتب مصري