الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 كيف تعرف ان الله يحبك؟ قضيت سهرة رمضانية مباركة وممتعة مع عمرو خالد وهو يحلق بي في اجواء الايمان متنقلا من بؤرة ضوئية الى اخرى في سياق الاجابة على هذا السؤال المصيري. عمرو خالد احدث ظاهرة في ميدان الاعلام الديني بعد الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله واجزل له المثوبة، والدكتور يوسف القرضاوي اطال الله بقاءه. ولقد تملكني العجب اذ اشاهد واسمع عمرو خالد للمرة الاولى على الشاشة التلفزيونية، كيف ينعم الله تعالى على عبد من عباده بالقدرة على التبليغ دون مشقة أو تكلف. ووجه العجب ان اخانا عمرو لم يتلق دراسة منظمة في الفقه في معهد او جامعة كما هو حال الشعراوي والقرضاوي. ذلك ان عمرو الذي امتهن مهنة المحاسبة، فقه نفسه بنفسه. واذا جاز ان نعتبر ان ميزة الشعراوي التي يتفرد بها تتمثل في قدراته على استنباط مواطن الاعجاز في القرآن الكريم والاهتداء الى الاسرار العظيمة الكامنة في الآيات القرآنية جميعا.. وان نعتبر ان ميزة القرضاوي تتمثل اكثر ما تتمثل في فهم الاحكام القرآنية والحكمة من وراء كل منها وبالتالي القدرة على الافتاء المتجرد من الهوى الذاتي، فإن ميزة عمرو خالد تتمثل في قدرته على شرح المغزى الاخلاقي والمسلكي لمباديء الاسلام. ان المؤمن النموذجي المحبب الى ربه شخص ذو خلق بالضرورة، سواء في محاسبته لنفسه او في تعامله مع الناس ـ كل الناس مسلمين وغير مسلمين ـوفي هذا السياق يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لايدخل الجنة سيء الخلق». وفي الحقيقة ان الخلق القويم يمثل جوهر الرسالة الاسلامية، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق» اذ كيف يكون الشخص المسلم صحيح الاسلام وهو يمارس الكذب والغش والخداع وكل ألوان الاضرار بالناس؟ ان المسلم ذا الخلق الحسن مقرب الى الله، وكلما سما سلوكه الخلقي كلما ازدادت محبة الله له. لكن هناك سؤالاً: هل يستطيع المسلم الخلوق ان يدرك انه محبب الى ربه؟ هل هناك علامات معينة يمكن ان يستدل بها مثل هذا الشخص انه فعلا نال المحبة الالهية؟ كان هذا سؤال السهرة التي عشتها مع عمرو خالد وهو يخاطب سامعيه كعادته باللغة الدارجة البسيطة ولا تفارق الابتسامة شفتيه لحظة واحدة، وعلى مدى اكثر من ثلاثين دقيقة اخذ الاخ عمرو يعدد هذه العلامات ويشفع شرحه لكل منها بامثلة من الحياة اليومية. من اولى هذه العلامات تيسير الطاعات، ان من العباد المحببين الى الله تعالى اولئك الذين يواظبون على الصلوات المكتوبة ويراعون الخشوع الكامل اثناء اداء الصلاة بما يليق بالوقوف بين يدي الرب الخالق. هؤلاء ييسر الله لهم ارتياد المساجد.. وييسر لهم افعال الخير الاخرى.. فكلما هم الواحد منهم بفعل عمل من اعمال الخير العديدة يسر الله له السبل وذلل له العوائق. وتيسير الطاعات يقابله تعسير المعاصي، ومن تنالهم محبة الله يصادفون عوائق وعوارض كلما هم الواحد منهم بارتكاب معصية فيكون العائق او العارض في مثل هذه الحالة بمثابة تنبيه من غفلة وقتية، فيتوب العبد ويؤوب ويستشعر هول ما كان مقدما عليه فيستغفر. ومن علامات محبة الله تعالى لعبد من عباده ان يحبب فيه اهل الاستقامة ويبغضه الى اهل الانحراف والفجور، يقبل عليه اصحاب الخلق ويستأنسون به ويستأنس بهم على الطريق المستقيم فتنشأ بينه وبينهم محبة متجددة، وبنفس القدر ينفر عنه اصحاب السوء ويبغضونه ويستثقلون ظله فيزهدون في صحبته. ويبدو انها علامات غير قابلة للحصر من بينها ذلك التشوق المتجدد دوما الى فتح المصحف وقراءة كلام الله بتمعن والاطلاع على التفاسير، ومن بينها حب المساكين وبغض المتجبرين ذوي الخيلاء واصحاب القلوب الصلدة القاسية. على ان اعلى درجات المحبة الآلهية للعبد تقترن بالاختبار والبلاء، وهذه وسيلة إلهية لرفع العبد الى درجة اعلى من الايمان. فالعبد المحبب الى الله يلقى من الاختبار بمصائب الدنيا بقدر ما يلقي من ربه من قدرة على الصبر والامتثال، وبذلك ترتقي مكانته عند الله تعالى. وفي الحديث: «اذا احب الله عبداً ابتلاه.. فان صبر اجتباه.. وان رضي اصطفاه». واسأل الله تعالى في هذه الايام المباركة من الشهر الذي انزل فيه القرآن ان يجزي عنا اخانا عمرو خالد خير الجزاء واجزله.