الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 شيئان أعترف بأنني قد حاولت فعلهما ففشلت في ذلك. فقد حاولت تجنب الكتابة عن التلفزيون وبرامجه في رمضان، ونجحت في ذلك على مدى الايام الثمانية عشر الماضية ثم سقطت في اليوم التاسع عشر كما ترون .. ووجدت العذر لنفسي بأن أرجعت فشلي الى العلاقة والعشرة التي ربطتني بهذا الجهاز أعواماً تجاوزت العقدين وأوشكت أن تشكل يوبيلاً فضياً، ولهذا كان فشلي في تجنب هذا الامر ذريعا. أما الثاني فهو البحث عن مدخل غير تقليدي للولوج الى هذا الموضوع بعيداً عن الديباجة المعتادة التي لا أشك في أنكم قد حفظتموها عن ظهر قلب، وهنا أترك لكم الحكم على مدى النجاح الذي حققته أو يمكن ان احققه في ذلك. لن أتطرق الى حرمة الشهر التي لا خلاف عليها، ولن أقول انه شهر عبادة ولا مبرر إطلاقاً لصرف الناس فيه عنها الى ما يمكن أن يعتبره البعض لهواً، ولن أكرر ما يمكن أن اكون قد قلته قبل ذلك وقاله كثيرون غيري من أن محطاتنا التلفزيونية تصوم أحد عشر شهراً عن تقديم الاعمال الجديدة، والحديث هنا عن الدراما بشكل خاص، ثم تمطرنا بكم هائل من الاعمال الدرامية التي تصيبنا بالتخمة حتى لا نعود قادرين على متابعتها واللهاث خلفها من محطة الى أخرى، حتى اذا ما سلمنا بعجزنا عن ضبط بوصلة مشاهدتنا وانسحبنا من متابعة هذا الماراثون الرمضاني لم نفقد الأمل في مشاهدتها على مهل بعد الشهر الكريم عندما تبدأ المحطات اجترار هذه المسلسلات واعادة عرضها مسلسلاً بعد آخر على مدى الشهور الاحد عشر المتبقية من العام حتى ملاقاة رمضان التالي اذا كتب الله لنا ذلك. لن أتحدث عن كل ذلك لأنه اصبح من البديهيات التي تجاوزت مقولة ان في الإعادة إفادة باعتبار ان الإعادة والزيادة والأخذ والرد في مثل هذه الامور لم تعد أموراً ذات جدوى ولن تجد آذانا صاغية لدى أي من الجهات المعنية التي لديها من الاعذار والأسباب ما يجعلها لا تلقي بالاً لمثل هذه الادعاءات والفلسفات والفذلكات التي لا تقدم ولا تؤخر ولا تغير من الأمر شيئاً، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وبعد ان نكون قد تجاوزنا كل هذا الكلام الذي لا طائل من ورائه سنجد انفسنا قد دخلنا في الموضوع مباشرة وأجرينا جرداً أولياً لكل ما وعدتنا به ادارات المحطات التلفزيونية قبل الشهر الكريم، والدعاية الكبيرة التي قامت بها لتسويق برامجها لدى الشركات والمؤسسات التي تسعى ادارات الاعلان في المحطات اليها كي تتولى رعاية هذه البرامج والمسلسلات لتغطي جزءاً من كلفة انتاجها ان لم يخدمها الحظ فتحقق عائداً يغطي هذه الكلفة ويحقق ربحا. ونظرة فاحصة الى ما قدم من أعمال خلال النصف الاول من الشهر الكريم تجعلنا نكوّن حكماً اقرب الى الصواب عن مستوى أعمال هذا العام التي سجلت تراجعاً ملحوظاً من حيث المستوى الفني وعجزاً عن جذب المشاهد بالمقارنة مع أعمال السنوات الماضية، لاسيما تلك الفترة التي ازدهر فيها الانتاج التلفزيوني وهي أواخر السبعينيات وفترة الثمانينيات التي شهدت أعمالاً كبيرة مازالت راسخة في الذاكرة وعلامة فارقة في تاريخ الانتاج التلفزيوني العربي بقطاعيه الحكومي والخاص. واذا ما نحينا جانبا البرامج التي سجلت تراجعاً ملحوظاً هذا العام والأعوام الماضية بعد ان كان بعضها نجم الدورات الرمضانية سابقاً كبرامج المسابقات التي كانت تزدهر في هذا الموسم بدءا من برنامج سين جيم لمقدمه الشهير شريف العلمي رائد برامج المسابقات في العالم العربي وانتهاء بالمسابقات التراثية التي قدمها المرحوم فوزي الخميس في تلفزيون ابوظبي، مروراً بعشرات البرامج المشابهة، اذا ما نحينا هذه البرامج جانبا فلا يتبقى لدينا سوى الاعمال الدرامية التي انقسمت الى فئتين: اجتماعية وتاريخية. ووفقا لهذا التصنيف فإن المسلسلات الاجتماعية جاءت هذا العام اقل إبهاراً من الاعوام السابقة، أو هي بتعبير أدق باهتة افتقدت البريق الذي تميزت به مسلسلات السنوات الماضية رغم ان بعضها حمل أسماء كبيرة تأليفاً وتمثيلاً واخراجاً، فقد دار معظمها حول موضوعات مكررة لم تخرج عن قضايا الهروب بالأموال والفساد الاداري والانتقال من الفقر الى الغنى والعكس.. ولذلك فقد افسحت هذه المسلسلات المجال للأعمال التاريخية كي تحتل الصدارة لدى المشاهد الذي مازال يحتفظ في الذاكرة بأسماء كثيرة لنوعية متميزة من هذه الاعمال على رأسها سلسلة «محمد رسول الله» الشهيرة و«جمال الدين الافغاني» و«هارون الرشيد» و«الطريق الى القدس» و«السيف والزهرة» وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره. وهكذا لم يتبق لنا ما نتحدث عنه من أعمال هذا العام سوى مجموعة من المسلسلات التاريخية اتخذت من الشخصيات محاور يتم من خلالها تتبع الاحداث ومعايشة العصور التي وجدت فيها، فرأينا مسلسل «هولاكو» الذي جاء متسقاً مع ما عرفنا عن المغول من عنف ودموية، وقد أبدع الدكتور رياض عصمت في كتابة حوار المسلسل كما أبدع باسل الخطيب في اخراجه، اما الممثل القدير «أيمن زيدان» الذي لا يختلف اثنان على روعة ادائه فلا أعرف سبباً لهذه الصورة التي جسد عليها شخصية هولاكو بحركته البطيئة المبالغ فيها، ونظراته التي توحي لنا انه نصف نائم نصف صاح، وهيئته التي كلما رأيتها تذكرت المسلسل الاجنبي الشهير «كوكب القردة». وقد جاء مسلسل «صقر قريش» معبراً عن اجواء دولة الامويين التي اسسها عبدالرحمن الداخل في الاندلس ودامت 375 عاماً، وهو من المسلسلات التي تستمد متعتها من جمال تلك الفترة وثرائها والخصب الذي تميزت به، وقد كنت اتمنى لو توفرت له امكانات وميزانية اكبر ليظهر بشكل افضل «صقر قريش» كان موضوعاً لمسلسلين يعرضان في فترة واحدة، وهذا عيب آخر من عيوب الانتاج والتنسيق. اما الشعراء فقد كان لهم نصيب لا بأس به من مسلسلات هذا العام، تمثل في مسلسل «امرؤ القيس» الذي وفق مخرجه خلف العنزي في اختيار الممثلين الذين جسدوا شخصيات ابطاله، كما وفق كاتبه جمال ابو حمدان في صياغة حواره، على عكس مسلسل «المتنبي» الذي انتظرناه طويلاً فجاء مخيباً لآمالنا حتى أنه لم يرق الى مستوى المسلسل القديم الذي انتج أيام الابيض والاسود من قبل تلفزيون لبنان والمشرق، وقام ببطولته الممثل القدير عبدالمجيد مجذوب، خير من جسد شخصية المتنبي، فقد سجل متنبي 2003 فشلاً ذريعاً كانت بدايته اختيار الفنان سلوم حداد لاداء دور المتنبي، ومع تقديرنا واحترامنا للفنان الكبير واعترافنا بموهبته إلا انه بعيد تماماً عن المواصفات الجسدية التي عرفت عن ابي الطيب المتنبي، كما ان أداءه جاء عنيفا غير موفق، اما القاؤه للشعر فقد غلب عليه الطابع المسرحي المدرسي مفتقراً للاحساس بقوة بناء الكلمة ومعناها، فأفقد الشعر روعته وحوّله الى عبء يحاول الممثل التخلص منه بإلقائه كيفما اتفق. أما سقطة المسلسل الكبرى فقد تمثلت في الحوار الذي كتبه ممدوح عدوان بأسلوب ومفردات لا علاقة لها بروح ذلك العصر ولا لغته، حوار لو ألبس المخرج ممثلي المسلسل ملابس عصرية لخلناه مسلسلاً مكسيكياً مستمدة احداثه من ذلك العصر مع فارق واحد يتمثل في كمية الخمور التي شاهدنا أبطال «المتنبي» يشربونها مما لا اعتقد انه قد شرب في مسلسل مكسيكي من 400 حلقة. وتبقى بعض البرامج والأعمال التي لا تستحق الحديث عنها لانها وقعت في دائرة التهريج والاسفاف، أفضل مثال لها مسلسل «عشوق». المحزن انها قد جرّت معها الى هذه الدائرة ممثلين لهم تاريخهم الفني كغانم الصالح وخالد العبيد، وقضت على موهبة داود حسين الذي لم يعرف كيف يوظف موهبته ويوجهها. وكما فشل مسلسل المتنبي في اقناعنا بأن هذا الذي نشاهده في المسلسل هو ذلك الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وكما فشل «عشوق» في اضحاكنا، فشلت انا ايضا في منع نفسي من الكتابة عن برامج التلفزيون في رمضان فقد بذلت قصارى جهدي كي انحي جانبا اربعة وعشرين عاماً من العمر الذي نسميه جميلاً بكل ما فيه فأبت إلا ان تفرض نفسها عليّ وعليكم فعذراً اليكم.