الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 أشك في ان تتوصل العملية التفاوضية السودانية في ماشاكوس الى اتفاق نهائي يؤدي الى اسدال الستار على الحرب الدائرة في جنوب السودان بعد تحديد مستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال. وكون ان الطرفين المتفاوضين ـ الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» ـ لم يتوصلا عند نهاية الجولة التفاوضية الثانية التي اختتمت الاسبوع الماضي الا الى «اعلان مباديء» ثان يضاف الى اعلان المباديء الاول الذي اتفق عليه في يوليو ليس الدليل الاوحد على عقم العملية التفاوضية. ان اعلانات المباديء ومذكرات التفاهم لا تعني الكثير بالمعنى الدبلوماسي. فمثل هذه الوثائق الثنائية تعبير غير مباشر بأن الطرفين المتفاوضين وصلا الى طريق مسدود. فهذه الوثائق تخلو من اي اتفاق على أي من القضايا الجوهرية الحاسمة المطروحة على مائدة التفاوض. وعندما يتوصل كل من الطرفين الى قناعة نهائية بأنه لم يعد على استعداد لتقديم تنازلات كبرى بشأن هذه القضايا فانهما يلجآن الى الاتفاق على خطوط عريضة ذات طبيعة تنظيرية الهدف من وضعها هو تأجيل النقاش حول المسائل الحاسمة. على هذا النحو فإن «مذكرة التفاهم» التي تم التوقيع عليها الاسبوع الماضي بعد خمسة اسابيع من التفاوض المكثف بمشاركة وسطاء خارجيين لا تختلف عن «اعلان المباديء» الذي اسفرت عنه الجولة التفاوضية السابقة قبل اربعة أشهر. هناك عائق جوهري امام المسار التفاوضي وهذا العائق الجوهري مسئول عنه الطرف الجنوبي. ويتمثل هذا العائق في ضبابية الطرح الرئيسي لحركة قرنق فيما يتصل بعلاقة المستقبل بين الجنوب والشمال. وهي ضبابية متعمدة. من المفترض ان المحور الاساسي الذي ينبغي ان يدور عليه التعاطي التفاوضي لتحديد العلاقة بين الجنوب والشمال هو اما الوحدة او الانفصال الكامل. وما عدا ذلك يدخل في باب التفاصيل. والمشكلة الكبرى التي ظل يصطدم بها المسار التفاوضي عند كل عطفة حاسمة هي ان حركة قرنق تريد الوحدة والانفصال في آن معا.. على تناقض المطلبين. ان الهدف النهائي لحركة قرنق هو تحقيق الانفصال لاقامة دولة مستقلة في جنوب السودان تنفرد الحركة بحكمها. وليس في هذا اي حرج، أين المشكلة اذن؟ المشكلة هي ان قرنق يريد للجنوب في الوقت نفسه الا يفقد المزايا التي تعود للشعب الجنوبي باستمرار الرابطة مع الشمال. وهي في تصوري كما يبدو رابطة مرحلية مؤقتة تستمر الى ان تستطيع الدولة الجنوبية المستقلة ان تقف على قدميها.. لان قرنق يدرك اكثر من غيره ان الجنوب لا يملك حاليا مقومات الدولة. الخلط المتعمد لحركة قرنق في ماشاكوس بين الانفصال والوحدة ينعكس بطبيعة الحال على طرحها التفاوضي. فبينما يطرح ممثلو الحركة في الجلسات التفاوضية النظام الفيدرالي كخيار وحدوي نظري فانهم عمليا يتبنون من خلال مقترحاتهم النظام الكونفيدرالي ـ اي خيار الانفصال. ان النظام الكونفيدرالي يعني دولتين مستقلتين على قدم التكافؤ لكل منهما سيادتها وعلمها وعملتها الوطنية وأنهما اتفقتا على آلية مشتركة على اعلى مستوى للتنسيق الاختياري على صعيد مجالات محددة ومحدودة كالسياسة الخارجية والدفاع على قدم المساواة الكاملة وعلى اساس مبدأ التشاور المتبادل.. وفي الوقت نفسه يكون من حق اي من الدولتين الانسحاب من هذه العلاقة التنسيقية في اي وقت تشاء. لكن: هل يملك جنوب السودان راهنا مقومات الدولة المستقلة ذات السيادة التي تستطيع ان تتحمل مسئولية الحكم اعتمادا على قوى وموارد ذاتية ليست متوفرة في الوقت الحاضر على الاقل؟ لان قرنق يدرك ان الاجابة عن هذا السؤال هي بالنفي القاطع فإن وفده في ماشاكوس يطرح في الوقت نفسه مقترحات ذات طبيعة وحدوية تنطلق من ضرورات الاعتماد على الشمال المتقدم ـ على الاقل من الناحية الاقتصادية. واذا كان المفترض ان «الحركة» سوف تنفرد بحكم الدولة الجنوبية المستقلة فإنها سوف تحتاج قطعا الى مهلة زمنية حتى تتمكن من تصفية او اخضاع اي معارضة جنوبية داخلية.. علما بأن حركة قرنق لا تمثل الا قبيلة واحدة. ان من المفهوم ان يسعى قرنق الى الانفصال لانشاء دولة جنوبية. ولكن ان يسعى في الوقت نفسه الى المشاركة في حكم الشمال باسم وحدة شكلية من اجل تمويل الدولة الجنوبية المستقلة فعليا دون ان يطلق عليها اسم «دولة» على حساب دافع الضرائب الشمالي فإن هذا شيء مختلف تماما. هذا التناقض هو العائق الاكبر في مسار ماشاكوس التفاوضي. أحمد عمرابي