الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 لا شك أن نجاح الاتجاه المعتدل في الانتخابات الداخلية الأخيرة، يعتبر بحد ذاته نقلة نوعية لجهة العودة من صفوف الوسط وتخوم اليمين إلى ما يسمى صفوف اليسار أو كما يشاع إسرائيلياً لمعسكر اليسار، بل أكثر من ذلك أن نجاح محافظ مدينة حيفا عمرام متسناع بعدد كثافة أعداد المتنافسين على زعامة الحزب، يعتبر بحد ذاته خطوة متقدمة للخروج بالحزب إلى معسكرين أو ثلاثة بعد أن ساد الوضع الداخلي حالة من التخبط والضبابية الفكرية والسياسية، أفقدت الحزب ليس جزءاً من هويته وحسب، بل ومن مشروعه السياسي الداخلي الذي نما وترعرع على أساسه داخل جموع المستوطنين، وخاصة الغربيين منهم. ولعل المثير للانتباه هذه المرة، أنه رغم الهواجس الإسرائيلية المطروحة، والتي تتلخص بالأمن وحده دون غيره، فقد ساد التوجه السياسي داخل العمل والذي طرحه عمرام متسناع، المطالب بضرورة استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة مع الفلسطينيين، ودون تحديد من يقود الفلسطينيين، وإقامة الجدار الفاصل فقط إذا أخفقت المفاوضات. بالإضافة إلى الإخلاء الفوري للمستوطنات في غزة والمستوطنات المعزولة في الضفة شرط أن لا تكون هناك مستوطنات شرق خط الفصل. أما ما يخص القدس، فتحاط بجدار حتى نهاية المسيرة السياسية، كما يطرح متسناع، وفي النهاية يتم ضم الأحياء اليهودية وتبقى العربية مع الفلسطينيين. وعلى ما يبدو، بعيداً عن الإعجاب بهذه الشخصية اللغز، أن متسناع استند إلى ما هو أبعد من الواقع الإسرائيلي الداخلي، خاصة وأنه واجه في مشروعه السياسي الانتخابي الداخلي بحزب العمل مشروعين لاتجاهين لا يستهان بهما على الإطلاق، وهو مشروع فؤاد بن أليعازر، المتمثل بضرورة استئناف المفاوضات فقط بعد وقف العمليات واستبدال عرفات. وإقامة جدار الفصل الأمني وليس السياسي؛ بينما توافق جزئياً مع مشروعه لجهة الاستيطان بحيث يتم إخلاء مستوطنات غزة بينما يتم إخلاء المستوطنات المعزولة في الضفة. وفي القدس حاول التمايز عن عمرام، باعتبار الأحياء اليهودية لإسرائيل والأحياء العربية بيد الفلسطينيين، وتخضع الأماكن المقدسة لنظام خاص وهذا ما تجاهله عمرام بالمطلق. كما واجه مشروع حاييم رامون السياسي المخضرم في حزب العمل بخاصة، وإسرائيل بعامة، رغم تقارب المشروعين كثيراً لبعضهما البعض إزاء الخيارات المطروحة، سوى قضية فقدان الشريك الفلسطيني وضرورة قيام الجدار الأمني إيذاناً ببدء المفاوضات. بصرف النظر عن الالتقاءات والتباينات بين المشاريع الثلاثة المطروحة داخل الحزب، لا بد لنا من العودة إلى التساؤل الأول، الذي يقول: هل خرج حزب العمل من الازدواجية السياسية والحزبية؟ أم لا تزال النار بعد فوز عمرام بأكثر من 60% في انتخابات رئاسة العمل، تحت الرماد؟ للإجابة على التساؤلات، يمكننا القول أنه رغم عملية الحسم الانتخابية التي حصلت، لا يزال حزب العمل يعيش حالة تخندق في خمسة معسكرات، تتلخص بالتالي: 1 ـ معسكر أصدقاء بين أليعازر، ويضم دائرة من الأصدقاء والمناصرين وبعض رؤساء المجالس المحلية والمقاولين ورجالات جيش الاحتياط الذين يشكلون، فعلياً، الأساس المادي لقوة بن أليعازر داخل الحزب، وقد لعب هؤلاء دوراً مهماً في ترجيح كفة بن أليعازر في مؤتمر الحزب الذي عقد في مطلع يوليو الماضي حسب ما جاءت به الصحف الإسرائيلية اليسارية المقربة لحزب العمل. دون أن نغفل معسكر بورغ، والذي يطلق عليه البعض محفل بورغ، أو المحفل الاقتصادي - الاجتماعي كناية لاهتماماته وتوجهاته، حيث شهد نشاطاً استثنائياً في السنة الأخيرة، حيث كان يجتمع أسبوعياً، ويضم ما يزيد على 20شخصية من المقربين للهيئة الأمنية والاقتصادية، ويعتبرهم مرجعيته الأساسية. 2 ـ معسكر افرام سنيه، وهذا حسب وجهة نظر الاعلام الإسرائيلي، يعتبر المحفل الفكري، ويشكل مكاناً لالتقاء أشخاص لا ينتمون لحزب العمل بكليتهم، ويرى هؤلاء أنفسهم مبشرين ليسار جديد وواعد، دون أن يسقطوا من أجندتهم الانشغال برسم خط أيديولوجي جديد للحزب وفقاً للنموذج الاشتراكي الديمقراطي المعروف أوروبياً. 3 ـ أصدقاء «بايغا»، ويتعلق الأمر بمجموعة من الأصدقاء يرافقون الوزير إبراهام شوحط، ويقدر عدد هؤلاء أيضاً، بنحو 20شخصاً، وهم من ذوي وجهات نظر اقتصادية - اجتماعية ليبرالية، ومعظم هؤلاء جاؤوا من القطاع الخاص وآخرون أصبحوا أعضاء كنيست، وقليل منهم توجد لهم خلفيات بالشئون الخارجية والأمن. 4 ـ معسكر بيلين، ويضم مجموعة من الرافضين لسياسة التقارب مع الليكود، وهم نفسهم الذين لعبوا دوراً مهماً في فض التحالف العمالي - الليكودي، والداعين لرئاسة ملائمة لحزب العمل، لكن هذا المعسكر يواجه صعوبة بالغة بمكان ملائم لحزب جديد، يقع على تخوم العمل من جهة وميرتس من جهة أخرى، كما يرون بأن حزباً برئاسة يوسي ساريد أو بيلين لا يملك حظوظاً للنفاذ إلى المركز السياسي والتحول إلى حزب حاكم. 5 ـ أما معسكر حاييم رامون، على الرغم من عدم تبلور معسكره، وعلى الرغم من خسارته على رئاسة حزب العمل يلقى حسب استطلاعات الرأي الداخلية تنامياً منذ انسحاب ابراهام بورغ، لكنه يمتاز بالانتهازية السياسية فقد أيد بن أليعازر ليقابله في جولة الانتخابات كمنافس على رئاسة الحزب. وعلى ما يبدو أنه كان يعتبر منافساً كبيراً لرئاسة الحزب لولا بروز رئيس بلدية حيفا عمرام متسناع في المنافسة على رئاسة الحزب والفوز بها بجدارة قل نظيرها في ظل مرحلة من التفكك والتنافس وتعدد المعسكرات. اذا في ظل تعدد المعسكرات وما يقع على جنباتها، يمكننا القول، أن حزب العمل بتوليفته الأخيرة جاءت نتيجة لضرورات داخلية وخارجية، فالضرورات الداخلية تبحث جادة في الحفاظ على شخصية حزب العمل كحزب موحد وفاعل في الحياة السياسية الداخلية والإقليمية لقيادة المرحلة المقبلة، بهدف تمرير تسوية مقبولة فلسطينياً وعربياً. بمعنى أكثر وضوحاً أن الفعاليات السياسية داخل العمل وحتى خارج العمل التي تشكل طبقة الانتلجسيا، دأبت على استحضار الوريث السياسي لرابين، لهدفين الأول رأب الصدع الداخلي الذي حصل نتيجة لاغتيال رابين؛ وثانياً رجل قادر على قيادة المرحلة القادمة تلبية للمتطلبات الإقليمية والدولية. لكن بموازاة ذلك، لا بد من التنبه، إلى أن نجاح عمرام متسناع لن يجسر الهوة بين المعسكرات المتعددة في الحزب، وأن النار لا تزال تحت الرماد، ولعل النسب الانتخابية تؤكد الحالة المرضية التي يعيشها حزب العمل. وأن وحدة الحزب مرهونة بموقف خارجي يعيد ترميم الحزب خاصة وأنه في نظر الغرب يعتبر المرآة العاكسة له في الاستطالة الغربية المسماة إسرائيل. هذا الأمر يتطلب دعم الحزب على المستويين الداخلي والخارجي، بهدف ترميم خصوصيته، التي لقيت رواجاً حتى في أوساط الطبقات الاجتماعية المتدنية، أي أنه في حال توصل القوى الغربية للعودة إلى التسوية التي بدأتها في مدريد، لا يمكنها التغاضي عن الأوضاع الداخلية التي يعيشها حزب العمل. وبعيداً عن التفسيرات البوليسية، فعلى ما يبدو أن نجاح عمرام كان مرهوناً بمواقف الدول الغربية وعلى رأسه اللوبي اليهودي الأميركي الذي لعب لعبته الكبيرة من وراء الستارة لانجاحه، وبعض الأوساط الأميركية المتنفذة في الحياة الإسرائيلية الداخلية، بعد أن توصلت هذه القوى جميعها بأن لعبة الدم لا يمكنها أن تقف عند حدود النزف الفلسطيني. أضف إلى ذلك أن حكومة بوش الابن أدركت جيداً بأنه لا يمكنها التغاضي عن المسار السياسي الفلسطيني - الإسرائيلي، بصرف النظر عن التصريحات النارية بين الفينة والأخرى ضد ما يسمى الإرهاب الفلسطيني، كما أنها توصلت إلى الحقيقة الدامغة التي لا ترضى تفسيراً أو تأويلاً بأنه لا يمكن خلق حالة من الأمن والاستقرار بالمنطقة إلا باستنساخ شخصية رابينية أخرى. ـ كاتب فلسطيني