الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 تتقاذف الساحة الايرانية على هامش حكم الاعدام بحق الاستاذ الجامعي هاشم آقاجري وتبعاته الاحتجاجية رياح متضاربة تتجمع بشكل رئيسي بصورة موجتين متعاكستين. موجة تدعو الى فصل فوري بين المؤسسة الدينية وسلطة الحكم، منعا لما يسمونه لخطر احتمال اعادة انتاج للاستبداد بغطاء ديني سيكون اخطر من استبداد النظم العلمانية السابقة على عهد الجمهورية الاسلامية الايرانية الحالي! وموجة اخرى تدعو الى تشديد قبضة الاشراف المؤسساتي الديني على السلطات السياسية منعا لما يسمونه لخطر احتمال اعادة انتاج السيطرة الاستعمارية الخارجية على البلاد ستكون هذه المرة اخطر من عهد الحكومات العميلة للأجنبي التي سبقت حكم البلاد قبل نجاح ثورة 1979م الاسلامية! ان تكون اصلاحيا في ايران اليوم لابد لك من التعاطف مع موجة التضامن الطلابية مع الكاتب والاستاذ الجامعي المتنور هاشم آقاجري ولابد ايضا من استنكار حكم الاعدام بحقه لانه لا يمكن ان يكون منصفا ولا متناسبا مع ما قاله آقاجري. لكن بالمقابل ان تكون خاتميا اذا جاز لنا مثل هذا التعبير، فإنك لا يمكن ان تقبل بالدعوة لفصل المؤسسة الدينية عن الحكم ناهيك عن القبول بما ذهب اليه آقاجري بالقول «ان الدين افيون الشعوب» او ان فكرة التقليد التي يتميز بها افراد الطائفة الشيعية من المسلمين اشبه «بعمل القرود!» ايا تكن الحيثيات التي وردت فيها اقوال اقاجري والسباقات التي وضعت فيها! فخاتمي وصل الى سدة الرئاسة مرشحا وبالاساس عن طرف اساسي من «المؤسسة الدينية» وهو يمارس مهامه الرئاسية مدعوما منها وبها، وهي اذ تحمل قراءة مستنيرة واصلاحية ومتطورة و«متسامحة»! للدين الا انها لم تقل ولا مرة انها تطالب بفصل المؤسسة الدينية عن سلطة الحكم، بل وقد ادانت بشكل صريح ما جاء على لسان آقاجري وكذلك ما ورد في بيان حزب جبهة المشاركة الراديكالي الموالي للرئيس محمد خاتمي والذي طالب بفصل المؤسسة الدينية عن سلطة الحكم! من جهة اخرى فإن كونك «محافظا» او تنتمي للفكر الديني التقليدي في ايران فإن من حقك ان تقلق من سماع صيحات المطالبة بفصل المؤسسة الدينية عن سلطة الحكم وان تتخوف من احتمال تحول الاصلاح الى «جسر» العبور ارادة القوى الاجنبية الرامية لاعادة السيطرة على البلاد والتدخل بكل صغيرة وكبيرة فيها. لكنه ليس من حقك ابدا ان تتخذ قرارا «باعدام» حرية البيان والتعبير وتسليط سيف «الامن القومي» مرة وسيف «الدين» مرة اخرى على النخب والجمهور بهدف فرض قراءتك الخاصة ومفهومك الخاص عن الدين والدنيا والعلاقة بينهما. خاصة وان هذه الحرية قد كفلها الدستور بشكل صريح ولا لبس فيه. كما ان التجارب التاريخية اتسمت بما لا يدع مجالا للشك والترديد بأن مقارعة الفترة بالسيف وسلطان القوة ليس فقط لا يخدم اصحاب الفكرة المضادة لها بل ويجعلهم عقبة امام حركة التاريخ وتقدم البشرية. واذا كانوا يريدون استخدام غطاء الدين فإنهم سيضرون بالدين ايضا وليس بالمتدينين فقط. وحدها القراءة الدستورية والقانونية والعقلانية للعلاقة بين المواطن والحاكم وتنظيم الجدل الدائر بين الرأي والرأي الآخر على اساس حقوق المناظرة واتباع الاحسن كما يأمرنا القرآن الكريم هي السبيل الوحيد للخروج من المأزق الحالي بين موجة الخروج على «التقليد الديني» بأي ثمن كان وبين موجة الخروج على «تجديد الفكر الديني» بأي ثمن كان يقف الرئيس محمد خاتمي بمثابة صمام الامان الذي يمنع خطر التكلس كما خطر الانفجار. ايران اليوم على مفترق طرق اعادة صياغة هويتها الوطنية والتاريخية، والطريق الاقصر الذي يوصلها الى ساحل الامان يكمن بنظر العديد من المتطلعين بالشأن الايراني في ضرورة الاستعانة بالطريق الوسطى التي تقول ان ثقافة المجتمع الايراني وحضارته وتراثه ودينه مجمع على نظرية الاعتدال السياسي والوسطية الفكرية والحنيفية السهلة السمحة في التشريع الديني والتي يلخصها مصرع بيت الشاعر الايراني الكبير حافظ الشيرازي: «المروءة مع الصديق والمداراة مع الخصم». في هذه الاثناء ثمة من يحذر من خطر «المندسين» او المتدثرين بعباءة الاصلاحيين مرة وبعباءة المحافظين مرة اخرى والذين لا هم لهم الا ان يضعوا دعاة الحرية بوجه دعاة التدين، وهؤلاء في الواقع لا يريدون للشعب الايراني الحرية ولا يريدون له البقاء على دينه. انهم يعادون استقرار ايران متدينة ومتحررة وكما يقول الرئيس محمد خاتمي مرة اخرى في اكثر من مرة: «ان هذين التطرفين ـ اي الذين يدافعون عن الحرية كنقيض للدين او المدافعين عن الدين كنقيض للحرية انما يحاربون الحرية لذاتها كما يحاربون الدين لذاته فاحذروهم انهم هم اصحاب الفتنة». ويضيف: «ان وضع الحرية في مواجهة التدين في مجتمع متدين مثل المجتمع الايراني يعني قمع الحريات وقمع الحريات على يد المتدينين يعني تحويل الابن الى عقبة بوجه التقدم والتنمية» في تحذير واضح للمتدينين من خطر مثل هذه المواجهات السامة والعقيمة. وحده الاصلاح المعتدل الوسطي القائم على العض الجراح والصبر والمثابرة يقود ايران الى ساحل النجاة والاستقرار. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني