الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 مع استمرار التهديدات الأميركية بتدمير العراق واحتلال أرضه رغم الموافقة غير المشروطة التي أبداها لقرارات مجلس الأمن ورغم اشارة المسئولين عن عملية التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل بتعاون بغداد حتى الآن. ومع استمرار السكوت الأميركي على المجازر التي ترتكبها حكومة السفاحين الإسرائيليين للشعب الفلسطيني واعتبارها دفاعا مشروعا عن النفس. ومع حملة الكراهية على العرب والمسلمين التي أصبحت مادة أساسية في وسائل الاعلام الاميركية.. مع كل ذلك بدأت الولايات المتحدة حملة اعلامية واسعة في العالم العربي تستهدف تحسين صورة الولايات المتحدة ومواجهة مشاعر الكراهية التي تقول الإدارة الأميركية انها لا تعرف لماذا تسود تجاهها بين العرب والمسلمين. وهكذا بدأت الصحف وستلحقها محطات التلفزيون في نشر اعلانات مدفوعة الاجر مصممة خصيصا لمخاطبة الرأى العام العربي. وفي الموجة الأولى من هذه الاعلانات توجه لنا أميركا التهنئة بشهر رمضان المعظم ثم تقدم صورة وردية لأحوال المسلمين الذين يعيشون على ارضها والذين يتعرضون منذ أحداث 11 سبتمبر لأبشع حملات الكراهية والعنصرية البغيضة. امبراطورية وحروب غير مبررة والحملة الاعلامية والاعلانية الأميركية الجديدة هي جزء من الإدارة الجديدة التي استحدثتها واشنطون بعد أحداث 11 سبتمبر لتحسين صورة أميركا في العالم، وانتدبت لها خبيرة شهيرة في الدعاية والاعلان والعلاقات العامة، وعينتها مساعدة لوزير الخارجية. ولنا هنا عدة ملاحظات: أولا: أن الحملة الاعلانية تمت تجربتها قبل ذلك في عدة دول إسلامية في جنوب شرق آسيا، وسجلت فشلا كبيرا. كما أن الاذاعات الموجهة لهذا الغرض لم تستطع ان تفعل شيئا لتغطية سياسة حمقاء لإدارة أميركية متعصبة تحاول أن تفرض هيمنتها على العالم بالقوة، وتبنى امبراطوريتها بحروب غير مبررة، وتؤكد نفوذها بممارسة أبشع صور العنصرية واحتقار كل الثقافات ومحاولة فرض تصورها للعالم باعتباره الحقيقة الوحيدة التي ينبغي ان يعترف بها (الآخرون) شاءوا أم أبوا. ثانيا: إن الحملة الاعلانية الأميركية لا تبدأ من فراغ، بل تستكمل مهمة دائمة تقوم بها العديد من وسائل الاعلام العربية عن عمد وعن جهل، وبسبب التوجهات السياسية للمسيطرين على هذه الوسائل أو بسبب السطوة التي يتمتع بها الاعلام الأميركي القادر على ايصال رسائله الى كافة انحاء العالم. وهكذا.. فإن وجهات النظر الأميركية تجد طريقها الى وسائل الاعلام العربية وغير العربية دون عائق، خاصة بعد أن اختلطت الكثير من الأوراق بعد أحداث 11 سبتمبر، واصطف الجميع وراء واشنطون فيما اسمته (الحرب ضد الارهاب) دون أن يعرفوا حدود هذه الحرب ولا أهدافها الحقيقية ولا أين ستصل بهم وبالعالم. وفي هذا الاطار وصلت كل الرسائل التي أرادت الإدارة الأميركية ان تصل للرأى العام العربي والإسلامي، وأصبح رجال الخارجية الأميركية وعملاء المخابرات ضيوفا دائمين على القنوات الفضائية العربية. وتبرعت بعض وسائل الاعلام العربية بتقديم خدمات اضافية وجوهرية سواء بتسليط الأضواء على قضايا فرعية وترك القضايا الأساسية في الصراع الحالي، أو بتقديم مايدعم وجهات النظر الأميركية ويبرر حروبها على العرب والمسلمين. وهكذا عندما احتاجت الولايات المتحدة الى (عدو) تبرر به حروبها أصبح ابن لادن هو هذا (العدو) الذي تم تقديمه للرأى العام العالمي على انه الممثل الشرعي والوحيد لجموع المسلمين في حروبهم ضد (الكفار)! وعندما حققت الانتفاضة الفلسطينية انجازا مهما في الصمود للعدو الصهيوني وكشف نازيته القذرة.. أخرجوا لنا من يعتمر الكوفية الفلسطينية ويتحدث باسم تنظيم (القاعدة). وعندما اشتد الصراع حول ضرب العراق وأخذت ألمانيا وفرنسا موقفا مغايرا لموقف واشنطن خرج ابن لادن وأعوانه ليعلنوا الحرب على الفرنسيين والألمان ويتبنوا عمليات عسكرية ضدهم. وعندما اجتاحت المظاهرات المعادية للسياسة الأميركية تجاه العراق مدن أوروبا خرج ابن لادن على محطة تلفزيونية عربية(!!) ليهدد أوروبا بالويل والثبور وعظائم الأمور. ومع أن الشكوك تحيط بحقيقة هذه التسجيلات التي تذاع في أوقات محسوبة بدقة ولأهداف لا يمكن ان تخدم العرب والمسلمين، ومن محطات ترابط القوات الأميركية بجوارها استعدادا لضرب العراق، فإن المسلسل مستمر وأظن أن الخطوة القادمة ستكون تسجيلا منسوبا لـ (ابن لادن) يتحدث فيه عن علاقة وهمية مع بغداد، ويؤكد فيه أنه وصدام أخوان في الرضاع وفي (الجهاد) على طريقة (القاعدة) التي بنتها أميركا ومولتها، ويعلن فيها أنه حصل على أسلحة الدمار الشامل من النظام العراقي، ليكون ذلك هو المقدمة الدعائية المطلوبة لتبرير العدوان الأميركي على العراق لدى رأى عام عربي يتعرض لأبشع حملات تشويه الحقائق وتزوير التاريخ. ثالثا: ان الحملات الدعائية الاميركية الجديدة تحاول التركيز على روح التسامح التي يعيش العرب والمسلمون في ظلها بالولايات المتحدة. بينما العقلاء الأميركيون أنفسهم يبدون انزعاجهم الشديد من موجة التعصب والعنصرية التي تجتاح أميركا وتكاد تفقدها روحها في ظل صعود مكارثية جديدة تغذيها المنظمات الصهيونية واليمين المتعصب ويحاول توجيهها نحو العرب والمسلمين. الارهاب صناعة أميركية ان حوادث الاعتداء على العرب والمسلمين تضاعفت 16 مرة في أشد التقديرات الأميركية اعتدالا، والوضع ينذر بكارثة حين تفتح قنوات التلفزيون وصفحات الصحف لقساوسة مهووسين ليوجهوا الاهانات للاسلام وللرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، بينما تتوالى (زلات اللسان) من الرئيس الأميركي الى وزير دفاعه الى كبار مسئوليه (عن الحرب الصليبية المقدسة) التي تخوضها أميركا ضد (الارهاب).. الذي أصبح بفضل الآلة الدعائية الأميركية اختراعا اسلاميا وهو قول تعرف الإدارة الأميركية قبل غيرها مدى بهتانه.. فالذين أشعلوا الحربين العالميتين في القرن الماضي لم يكونوا عربا أو مسلمين، والذين استخدموا القنابل النووية لأول مرة ودون مقتضى عسكري لم يكونوا عربا أو مسلمين، والذين اغتصبوا وقتلوا واحتلوا فلسطين كانوا ضحايا الغرب المسيحي جاءوا بمساعدته لينتقموا من العرب! بل أن الارهاب الذي تعاني منه أميركا الآن هو في الأصل صناعة أميركية خالصة، ابتدعته لتحارب به الاتحاد السوفييتي حتى اسقطته، ثم لتهدد به النظم العربية، والاسلامية المناوئة، وكان ذلك في حمايتها وتحت اشراف أجهزتها حتى انقلب السحر على الساحر لأسباب تعلمها واشنطن ويعلمها قادة الارهاب قبل غيرهم! رابعا: إن الحملة الدعائية الأميركية قد تكون مبررة في ضوء ماحدث في 11 سبتمبر، وماكشفت عنه من تصاعد موجات الكراهية في العالم للسياسة الأميركية، ومع الحرب التي شنتها أميركا على ماأسمته بـ (الارهاب العالمي) والمعارك التي خاضتها في افغانستان والأهوال التي صاحبتها والتي تتكشف يوما بعد يوم حيث راح ضحيتها 20 ألف مواطن افغاني معظمهم من المدنيين الأبرياء. كان تبرير ذلك يحتاج لحملة دعاية مكثفة تستهدف أيضا كسب الرأى العام العربي والإسلامي لصف واشنطن في حربها ضد مايسمى بـ (الارهاب) وتغطي تعاون الحكومات العربية والاسلامية في هذا المجال لكن الموقف يتغير تماما في ضوء مايواجهه العالم العربي الآن. فالحرب على الارهاب التي تقول الولايات المتحدة انها تخوضها لا يمكن أن يكون لها علاقة بالحرب التي أعلنتها واشنطن ضد العراق، والتي تنتظر التوقيت المناسب لكي تقوم بها رغم معارضة العالم كله. لقد فشلت كل محاولات واشنطن لإيجاد أي علاقة للنظام في العراق مع ابن لادن أو طالبان، والعالم كله يعلم ان مثل هذه العلاقة مستحيلة، ومع ذلك تريد واشنطن أن تجبر العالم على إعلان الحرب ضد العراق، وتريد من الأنظمة العربية أن تؤيدها، وتريد من الرأي العام العربي أن يبارك خطواتها، وتتصور أن حملتها الاعلانية الراهنة خطوة في هذا الطريق. وماتريده واشنطن هو المستحيل بعينه، خاصة في ظل الحقائق التي يتم الكشف عنها، والتي تؤكد أن (الحملة الصليبية) التي أعلنها بوش ذات يوم لم تكن زلة لسان، بل كانت هي الحقيقة عرفت طريقها ـ ربما دون قصد ـ لتكشف بعض المستور فيما يجري على الساحة الآن. قرن أميركي جديد ماذا تفعل حملة دعائية إذا كانت الحقائق تقول إن مايجري على الساحة العربية من استراتيجية تم اعتمادها من الإدارة الأميركية قبل وصولها الى السلطة وتم اعدادها بواسطة فريق يقوده (ديك تشيني) نائب الرئيس، ومعه (رامسفيلد) وزير الدفاع (وبول ولفوفيتز) نائب وزير الدفاع و(جيب بوش) أخو الرئيس الأميركي وحاكم ولاية فلوريدا التي حسمت نتيجتها المشكوك فيها نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية الماضية. هذه الاستراتيجية التي تبنتها ادارة الرئيس بوش بعد وصوله للحكم تم اعدادها في سبتمبر 2000 أي قبل عام كامل من أحداث سبتمبر تحت عنوان من (أجل قرن أميركي جديد) وتكشف الوثيقة ان هذه المجموعة التي اصبحت تحكم أميركا قررت أن على أميركا ان تفرض سيطرتها الكاملة على منطقة الخليج بما فيها العراق سواء أكان صدام حسين في الحكم أم رحل عنه، وفي هذا الصدد تؤكد الوثيقة (ان الحاجة لوجود قوات عسكرية أميركية ذات وزن في منطقة الخليج تتخطى حدود القضية الخاصة بصدام حسين ونظامه). والتقرير طويل ويؤكد ضرورة بلورة خطط شاملة للحفاظ على الهيمنة الكوكبية للولايات المتحدة ومنع ظهور أي قوى منافسة لها. ومايهمنا هنا تركيزه على السيطرة الكاملة على منطقة الخليج، واعتباره ليبيا وسوريا وايران مع كوريا الشمالية أنظمة خطيرة لابد من مواجهتها. وماذا تفعل الحملة الدعائية الاميركية اذا كانت أركان الادارة الاميركية لا يخفون عداءهم للعرب ولا استهداف العالم العربي. وبعد ان كانت التهديدات من نصيب سوريا وليبيا اصبحت التهديدات تمس حتى أقرب الحلفاء الى واشنطن. وها هو جيمس ولسي الرئيس السابق للمخابرات المركزية الاميركية يقول قبل أيام ان واشنطن سوف تتفرغ بعد الانتهاء من العراق.. لمصر والسعودية، ويؤكد ان الولايات المتحدة عازمة على تكرار تجربة أوروبا الشرقية في الشرق الأوسط، وان الحرب التي تنوي الولايات المتحدة شنها على العراق لا ترتبط بالضرورة بموضوع أسلحة الدمار الشامل بل أساسا لنشر (الديمقراطية) في العالمين العربي والاسلامي! أي ان أميركا ستدمر العراق وتقتل نصف مليون مواطن عراقي كما أكدت التقديرات البريطانية من أجل نشر (الديمقراطية) في العالم العربي! وهو قول كان من الممكن التعامل معه بشئ من المصداقية لولا تجربة ذاتية العرب مع واشنطن داست فيها بالاقدام على كل ماتتشدق به من أحاديث عن حقوق الإنسان وديمقراطية المجتمع وأيدت فيه نظما لا علاقة لها بهذه المفاهيم، وأعلنت الحرب على تجربة النهضة العربية الحقيقية في الستينيات لانها من وجهة نظرها لا تحقق مصالحها! ثم ماذا تفعل الحملة الدعائية الأميركية والرأى العام العربي يتابع كل هذه الجهود الأميركية المحمومة لضرب العراق واحتلال أراضيه، وهو يعلم ان المزاعم الأميركية عن خطر أسلحة الدمار الشامل لدى العراق هي مزاعم باطلة، وان العراق يفتح أراضيه للتفتيش دون قيد أو شرط ومع ذلك تتزايد الاستفزازات الأميركية وتتضاعف الجهود لحشد القوات تمهيدا لحرب قررتها أميركا وتطلب من العالم أن يقبل قرارها دون قيد أو شرط. وماذا تفعل الحملة الدعائية الأميركية والعرب يعلمون ان الدولة الوحيدة في المنطقة المدججة بكل أنواع أسلحة الدمار الشامل النووية والبيولوجية والكيماوية تعتبرها أميركا واحة الديمقراطية في المنطقة، وتغدق عليها المساعدات العسكرية والاقتصادية وهي تبطش بشعب فلسطين الاعز وتتفوق على النازيين في ممارستها الوحشية فلا تزداد أميركا الا سعادة ورضا؟! وماذا تفعل الحملة الدعائية الأميركية وملايين العرب يشاهدون طائرات الفانتوم الاميركية الصنع تقصف المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين، ويشاهدون الدبابات والمدرعات الاسرائيلية وهي تتعامل مع المدنيين الفلسطينيين، ويطالب العرب بتوفير الحماية الدولية فترفض واشنطن ـ ويطالبون بايقاف المجازر ـ فيكون الرد الأميركي مناورات لكسب الوقت ومبعوثون لا يقدمون شيئا ومبادرات تعلم واشنطن بل غيرها أنها ولدت ميتة؟ ماذا تفعل الحملة الدعائية الاميركية اذا كان كل حمامات الدم الفلسطيني وكل التنازلات العربية التي جاوزت الحدود لم تفلح في تعديل الموقف الأميركي المنحاز قلبا وقالبا الى اسرائيل؟ وماذا تفعل الحملة الدعائية الاميركية والعرب يكفنون شهداءهم ثم يعودون ليستمعوا للرئيس الاميركي وهو يؤكد ان ياسر عرفات هو الارهابي أما شارون فهو عند بوش رجل السلام الحقيقي؟! وماذا تفعل الحملة الدعائية الأميركية مع سياسة خرقاء سيطر عليها جنون القوة واعماها عن رؤية العالم الا بعين تحتقر الآخرين وعقل تسيطر عليه نزعات الحرب وقلب تحكمه العنصرية والكراهية؟! ليست الدعاية هي ماينقص أميركا أو ما يحتاجه العرب والمسلمون، وانما المراجعة الصادقة لسياسات خاطئة ستقود العالم الى كارثة. ماتحتاجه أميركا ومايحتاجه العالم كله أن تدرك واشنطن أن منطق القوة لا يمكن ان يحكم ويتحكم في مقادير البشر الى الابد، وان زعامة العالم لا يمكن ان تتحقق الا بمعايير اخلاقية تسمو على العنصرية وتقهر الغطرسة وتنشد الخير للبشر أجمعين. ماتحتاجه أميركا والعرب كله.. ان تراجع واشنطن مجمل سياساتها قبل فوات الأوان، بدلا من أن تقتل.. ثم تحاول أن تتجمل! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية