الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 في السابع عشر من رمضان مرت علينا ذكرى غالية اعادتنا الى القرن الاول الهجري، وبالتحديد الى السنة الثانية من الهجرة، لنقف أمام لحظة تاريخية جسدت أروع صور الانتماء الى القيم والمباديء واختصرت على الانسانية مراحل زمنية لفهم طبيعة المعركة بين الخير والشر، وكيفية ادارة الصراع حينما يسقط العدو من حساباته كافة الحلول السلمية، ويشعل فتيل الحرب، حين يعتدي على الممتلكات، ويغتصب الحقوق، ضاربا عرض الحائط بقوانين العدالة ومواثيق حقوق الانسان، التي جاءت بها الشرائع السماوية، ودعت اليها الاديان المختلفة. وحسم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة أي تردد عن استرجاع حقوق المهاجرين، ومضى قاصدا قافلة قريش عساه، ومن معه من المسلمين ان يستعيدوا بعضا من المال الذي أخذه منهم اهل مكة بدون وجه حق قبل ان يهاجروا الى المدينة المنورة وارتفعت حدة الموقف، وازدادت سخونة الاخذ والرد بين رجال قريش، خاصة وأن قافلة أبي سفيان استطاعت تغيير طريق العودة والوصول سالمة الى مكة. ولكن الجدال ظل ممتداً ما بين المؤيدين للحرب والقائلين بانتفاء اسباب المواجهة العسكرية الى ان انتصر الفريق المنادي بالخروج للقتال طمعا في تحقيق نصر عاجل تردد اصداءه العرب، وتتجاوب له البوادي والقفار!! والناظر الى الموقف الموحد، والقرار المشترك الذي صدر عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وأصحابه يعلم علم اليقين ان ما انتصرت فكرة على الارض الا بايمان اتباعها الكبير بها، واستعدادهم للتضحية من اجلها، وصبرهم على تقديم الضريبة التي بموجبها سيدفعون العدوان، وسيواجهون البغي والفساد في الارض. وتلك عناصر النجاح الرئيسية لأي فكرة يراد لها البقاء والاستمرار، ويراد لاتباعها النصر والتمكين. كما انها اشارات على وضوح الهدف، واستحضاره في وجدان اصحابه، وارتباطهم به حتى يصبح واقعا مرئياً مهما كان حجم التصدي والتحدي والرفض. واذا ما عدنا الى واقعنا اليوم، واخذنا نتلمس اسباب الهزيمة النفسية التي لحقت بأتباع هذا الدين، ونقارن بين ذلك العنفوان والتدفق الذي ميز أداء تلك النفوس الكبيرة، وجعلها تصنع الحدث بدلا من ان تترقبه، وتتلقاه وتنقاد له، دون ان تملك ادوات الدفاع والمقاومة، وبين هذا التخاذل والشعور بالعجز، وانعدام الحيلة امام الهجمة الاستعمارية الجديدة، سينكشف لنا بوضوح شديد ان مشكلتنا الكبرى نابعة من ضعف الارادة، ومن الهروب عن تحمل تبعات النهوض، وتغيير الواقع السلبي الى واقع ايجابي يجعلنا في مقدمة الامم وليس في مؤخرتها. فليس المسلم في شريعة الاسلام هو من يكتفي بالتفرج والوقوف مكتوف اليدين امام احداث الحياة، وتغيراتها، وليس هو من يجيد الحوقلة والاسترجاع، وسكب الدموع عند الشدائد انما هو الذي يجيد صناعة الحياة، ومواجهة الظروف الصعبة، وهو الذي يملك دائما خطة للمقاومة وهو المستعد ابدا للقيام بالدور المطلوب منه حتى ولو دفع نفسه ثمنا للوفاء به. ومن الثابت انه لن يتجرأ احد على القوي اليقظ المستعد للعمل والبذل، انما تكون الجرأة على الضعيف المشلول الارادة، الفاقد الوعي، العاجز عن استشراف المستقبل، الناظر تحت قدميه، والذي لا يملك ارادة تغيير الواقع. وليس لديه خطة للانقاذ او الاصلاح. مثل هذا الفرد العاجز لا يعترف به الاسلام بل يراه عبئا عليه، ونموذجا سيئا لا يمكن الاعتماد عليه. وما اكثر النماذج المشوهة، والغائبة عن الوعي بأدوارها الملحة، والتي برر اصحابها هزيمتهم النفسية بأنها امر واقع، وقدر محتوم لانتفاء البدائل في تصورهم القاصر، وانعدام الاسباب التي بها يخرجون عن تلك الدائرة المغلقة التي صيرتهم اقزاما لا يملكون القدرة على الدفاع عن كرامتهم.ان المسافة بيننا وبين اهل بدر شاسعة، والمفارقة بعيدة، لقد صاروا بالاسلام عمالقة علموا الانسانية ان الايمان والثقة بالنصر وارادة المقاومة هي ادوات كافية لانهاء الصراع لصالح الخير والانسان. وشتان شتان بين من يرفع بصره عاليا الى السماء وبين من يطأطيء نظره الى الأرض!!