الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 بما ان محمد وردي ليس شجرة مألوفة في غابة الفنانين التي تزحم الافق، فهو يحظى بترقب سوداني جزع ومكثف منذ استزرع كلية في الدوحة. مثل وقع البشارة اكد وردي مغادرته مرحلة النقاهة الاكلينيكية ونهوضه متعافيا تماماً وهو يحتضن عوده مترنماً بلحنين طازجين يعتزم اطلاقهما في الخرطوم على عتبة السنة الجديدة. بنبرة مرحه الممزوج بكبريائه المعهود قال وردي عبر الهاتف: نهضت والحمد لله ودخلت مرحلة التجديد الفني بعد تجديد الكلى. من يعرف مثلي صوت وردي وكبرياءه يدرك ان الرجل لا يكابر. ربما كان مضطراً لذلك في المرحلة الزمنية الضيقة بين وصوله الى العاصمة القطرية واجراء العملية الجراحية. وردي فنان شغوف بالحياة على نحو يجعله دائما اصغر من سنوات عمره الحقيقية، وهو كذلك شديد الاحساس بنفسه الى درجة الاعتداد، وعلى نسق يجعله دائما تحت طائلة اصبع الاتهام بالتعالي والغرور. ورجل من هذا الطراز لابد ان يخذله تماسكه قبيل تسليم نفسه للجراحين والاستسلام للقدر. على ان هذا لم يكن بالضبط وحده مثار قلق الفنان السبعيني. سألت وردي وحدثني حديث الواثق المطمئن للطبيبين الجراحين اللذين اشرفا على الجراحة الدقيقة والنادرة، عمر عبود والفاضل الملك، غير اني لم اجرؤ على سؤاله عن ذلك المجهول الذي اهدى لوردي كلية مدت له حياة طبيعية. من بين مئة سوداني سارعوا الى هذا الفنان ذي القاعدة الجماهيرية العريضة الممتدة من حلفا الى نمولي، وجد الجراحون حالة نادرة، ثمة ما اوحى بان التطابق بين الفنان والمتبرع يتجاوز النسيج الفيزيولوجي. كل افراد اسرة الفنان ـ إلا واحدا ـ كانوا حضوراً ولاء ولهفا يبثون حوله دفء العشيرة ويستغرقون في الدعاء له بالنجاح، غير ان وردي ما اكتفى فاستدعى ثلة من اصدقائه الحميمين ليكونوا شهودا عليه ويصدوا أزره، فهرع اليه ابراهيم السيد، وشوقي حمزة من السلطنة، سعد الدين عشري وخليل عبدالرحيم من الرياض، ونور الدين يماني من الخرطوم. كل قلوب السودانيين ـ إلا قليلاً جدا ـ كانت مشدودة الى الدوحة وكثير منها لايزال. في حياة وردي فصول تتماهى بين الخاص والعام منذ ان نفض عن يديه الطبشور وهجر مهنة التدريس ليحترف الفن في خمسينيات القرن الفائت، كانت تلك بداية مسئولية الاختيار التي تصدى لها وردي من الذاتي الى الوطني. ظل وردي يمارس الانتقاء، بحس بالغ الشفافية ومنتهى الجدية. هكذا اضاف وردي فرائد من الاغاني ودرراً من الالحان وثلة من الشعراء واسلوباً في العزف ونهجاً في الاداء. الى جانب الرصيد المهول من الاغاني العاطفية برز وردي مدفعاً للاناشيد الوطنية، ففجر في الشعب روح الثورة والقيم النبيلة. وساقته مواقفه الصدامية مع الانظمة الى السجن احيانا والى المنفى سنين عددا، ونصبه تجمع المعارضة «فنان الحب والوحدة والسلام». احد اللحنين اللذين يعدهما وردي في الدوحة حالياً للشاعر الدبلوماسي محمد المكي ابراهيم الذي يعتبر اشعر شعراء السودان المعاصرين بما يملك من قاموس جذل متفرد في تشبع اللغة والصورة المستوحاة والمستهدفة وهو الآخر من الذين بعثرهم «الانقاذ» في كل وادٍ قسراً وطوعاً. اما اللحن الآخر فهو لمحجوب شريف الذي اثرى الاغنية السودانية بدفقة من القصائد التي تتماهى فيها الحبيبة مع الوطن والثورة. قال وردي في مخابرته الهاتفية ان محجوب شريف موجود معه في الدوحة حاليا. اضاف ممتناً: بنات السودان وابناؤه لم يقصروا في السؤال،الاتصالات لم تنقطع عبر الهاتف والفاكس والايميل على نحو يجعل المرء يدرك قيمته، ففي كل يوم تصلني رسالة واحدة على الاقل من الطراز الذي يعين المرء على النهوض المبكر واستئناف العطاء. الآن خرجت من معاناتي الشخصية الى رحاب الهم العام. قصيدة محمد المكي ابراهيم المعنونة «على اعتاب يناير» تقول: «صباحك يفجئنا الآن بالاناشيد والزينة الحاشدة وعبر الثريات والنخوة السيدة وعبر الاماديح يسأل اشواقنا الراكدة لماذا تظلون في السفح والقمم البكر تدعو اليها القوى الصاعدة وقلب السماء مشاعيّةٌ للصواريخ والأجنحة الرائدة» اما قصيدة محجوب شريف فتقول: «بحلم بي سماك بقت صافية والارض ليست حافية مياه عذبة وكافية وليالي شتاء دافية وحليب امهات العافية». ربما يسبقنا الشاعر لولوج مرحلة ما بعد مشاكوس! في الغابة التي تزحم الافق يشكل وردي نخلة فارعة شهية النوار والثمر جذورها في الوطن وفرعها في فضاء الوعي والالتزام تشرب من الوجدان الاصيل، يهزها الاحساس بنبض الشعب فتساقط الحانا شجية. بكليته الجديدة يعدنا وردي مطلع السنة الجديدة بزهرتين من قمتين ولا أخصب منهما في الشعر السوداني المغنى.