السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 يبدو ان التقدم العلمي والتكنولوجي بدأ يرسم لنا حياة أخرى لم نكن نحلم بها او نعتقد انها ستكون هكذا، فنحن ننام ونصحو على أحداث واختراعات ومنتجات أخذت تتحكم في زوايا حياتنا وتفرض حضورها، ولو قامت مثلا شركة مسحية برصد اهم الاختراعات التي غيرت مسار حياتنا لتفاوتت الاجابات من شخص لآخر حسب طبيعة وخصوصية المجتمع، ففي الوقت الذي سيؤكد فيه غالبية الاشخاص من دول الخليج ان أهم اختراع بالنسبة لهم هو مكيف الهواء نظرا لطبيعة المنطقة، فإن آخرين في البلدان الباردة او المتجمدة سيؤكدون ان المدفأة اهم من المكيف، وهكذا.. إلا ان ما يثير حقا هو هذا التواصل الرقمي الذي احدث ثورة حقيقية في مجال البث الفضائي والتلفزيوني والموسيقي، وأخذ يرسم صورة جديدة لتلك العوالم الغائبة، فتواصل القاصي بالداني والعربي بالاميركي والافريقي بالهندي، حتى اصبحنا عالما واحدا، أسرة واحدة حقا. لكن الأمر الذي بدأ يقلق العالم وخاصة الجمعيات الانسانية هو ذاك الكم الهائل من التكنولوجيا الدقيقة التي بدأت تتحكم في مصائر الناس وتؤثر على أخلاقياتهم، فقد توصل العلماء مؤخرا الى طريقة تجعل الانسان يقول ما لم يقله، حيث انتجوا أول صور تلفزيونية واقعية لامرأة تبدو وهي تقول أشياء لم تقلها في حياتها أبداً! ولم يستطع الذين خضعوا للتجربة ان يضعوا يدهم على الفرق بين شريط فيديو حقيقي، مسجل لامرأة تتحدث وبين النسخة المعدلة من الشريط الذي تظهر فيه تلك المرأة وهي تقول كلاما يختلف كليا عما قالته في الحقيقة، بل وتغني بلغة لا تعرفها أصلا! ويمكن استغلال برنامج الفيديو المعدل هذا والذي تم انتاجه بمعهد ماساشوستس بالولايات المتحدة الاميركية للتقنية في بعض الأفلام ذات التأثير الخاص ـ كتمثيل أدوار كبار نجوم السينما الراحلين او دبلجة الأصوات لأفلام منسوخة بلغات اجنبية كما يقول مخترعو هذا البرنامج، ويمكن كذلك استغلال ما يسمون بالارهابيين في نظر السلطات الأمنية وإلباسهم العمة وهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل! ويرى النقاد والجمعيات الانسانية ان هذه التقنية خطيرة على الناس حيث يمكن استغلالها في عمليات احتيال وخداع او حيل سياسية منظمة تصل الى حد القذارة. وقد تم تجربة عرض فيلم لمراسل صحفي يدعى تيد كوبيل يعمل لصالح قناة تلفزيون «ايه. بي. سي» الاميركية وهو يرسل تقاريره الاخبارية باللغة الاسبانية التي لا يعرف عنها شيئا! ورغم ان مثل هذا العمل يعد طفرة مذهلة في عالم التقنية كما يقول ديمتري ترزو بولس استاذ علوم الحاسوب بجامعة نيويورك الا انه يمس ذمم الناس وأخلاقهم، فإذا استطعت ان تقوّل الناس ما لم يقولوه، فإنك بالتالي ترسم صورة واضحة لعالم الشر والكراهية وتدفع الناس الى منزلق لا تعلم الى اي قرار ينتهي او الى اي بعد يصل! ويؤكد النقاد ان هذه التقنية ربما تتسبب بشكل كبير في هز ثقة الناس بأي فيلم تلفزيوني او سينمائي يشاهدونه بما في ذلك الخطب السياسية ونشرات الاخبار والاعلانات التجارية والمؤتمرات التي تعقد عبر اجهزة الاتصالات وأشرطة الفيديو التي تحتوي الشهادات والاعترافات القضائية. وهذا بدوره ربما يتسبب في ازمة ثقة قضائية وانسانية ومجتمعية، حيث ستضطر الدوائر القضائية للعودة إلى أسلوب القرون الوسطى في قبول الشهادات والمتمثلة في مطالبة الشهود بالحضور شخصيا للادلاء بشهاداتهم أمام المحكمة، ولعل هذا هو الاجراء الاسلم. وقد يصل مستوى عدم الثقة بين الناس حدا يصعب معه التواصل بينهم بوسائل وسيطة، وهناك من الناس من لا يزال يعتقد ان هبوط الانسان على سطح القمر مجرد تمثيلية ليس إلا.. لكن الأمر الخطير هو شبكة الانترنت التي اصبحت غولا يلتهم كل شيء، مع درجة مصداقية عالية فالناس يؤمنون ان ما يطرح عبر الشبكة فيه من الصدق والحقيقة الكثير وهذا بدوره يجعل الجمعيات الانسانية التي تحاول التصدي الى عدم اساءة استخدام التكنولوجيا في موقف صعب، فالافلام الكاذبة والمدبلجة ستكون مادة رائجة عبر الشبكة، والناس الشرفاء ربما تمسهم تلك الايادي الخفية التي لا يؤمن جانبها وسيقف الكثيرون في مواقف حرجة تؤدي الى التهلكة. هذه هي الضريبة الاكيدة التي يدفعها الانسان ثمنا لرفاهيته، فكلما اعتقد انه اصبح حرا طليقا وكلما سن القوانين التي تعطيه تلك الفسحة وجد نفسه عبداً لحاجات أخرى صنعها هو، وجعلها تتحكم في مصيره.. ومن يعش يرَ أكثر! Dhaen66@hotmail.com