السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 هل تنجح سياسة «اغتيال الشخصية» التي ينتهجها ارييل شارون بالتعاون مع جورج بوش تجاه الزعيم ياسر عرفات لاخراجه نهائياً من مجرى التاريخ الفلسطيني والعربي؟ من يمكنه انجاح هذه السياسة او افشالها عملياً ليس سوى عرفات نفسه: الامر بيد الزعيم المخضرم الذي ارتبط تاريخه الشخصي مع تاريخ مسار القضية الفلسطينية لمدى نصف قرن تقريباً منذ ان انشأ «فتح» مع عدد من رفاقه الرواد كتنظيم نضالي سري ذات ليلة في منتصف خمسينيات القرن الماضي في الكويت. لكن ابتداءً يجب ان نقر انه على مدى الشهور الاخيرة اصاب مخطط شارون ـ بوش ـ شيئاً من النجاح. فقد انصرفت الاضواء الاعلامية نسبياً عن عرفات فأخذ الزعيم يفقد شيئاً من بريقه العالمي. وربما يعزى السبب الى حالة الاسر التي ظل يعيشها لمدى شهور عديدة متصلة داخل محبسه القسري في مدينة رام الله. وبفقدان حرية التنقل والسفر حول العالم على طائرة خاصة لم يعد الرئيس الفلسطيني قادراً على عقد لقاءات مباشرة مع قادة العالم او حتى القادة العرب في الجوار. غير ان الامر، مع ذلك، لا يتعلق بحالة الزعيم الاسرية بقدر ما يتعلق بحالته الذهنية. فقد بقيت رؤية عرفات الذهنية للأمور كما هي عليه. ربما بات عرفات معزولاً الآن عن العالم. لكن الادهى والامر انه بات معزولاً عن شعبه. والعزلة عن العالم قد تعزى الى التعتيم السياسي الذي فرضته كل من الولايات المتحدة واسرائيل عليه. لكن الرئيس عرفات يتحمل بنفسه مسئولية الانعزال عن شعبه. وسوف تتفاقم هذه العزلة مالم يطرأ تغيير جذري وشامل على رؤية عرفات لقضية شعبه ونهجه التقليدي في التعامل مع هذه القضية المصيرية. عرفات الآن على مفترق طرق تاريخي وحاسم. فاما ان يواصل نهج المناورات التقليدية والاتصالات الدبلوماسية القائمة على محاولة استرضاء الولايات المتحدة والمراهنة عليها كمفتاح لأي حل او تسوية على اساس مساومات.. واما ان ينزل الى الميدان لقيادة جماهير شعبه والالتحام مع المقاومة المسلحة. والمرء يتساءل عما اذا كان الرئيس عرفات قد ادرك ذلك التغيير الجذري والشامل الذي اخذ يطرأ على المشهد الفلسطيني ـ الاسرائيلي على مدى السنتين الاخيرتين منذ اندلاع انتفاضة الاقصى وخاصة المرحلة الزمنية منذ احداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وتداعياتها على الصعيدين العربي والدولي. لقد بلغ المشهد على الجانبين نقطة البقاء او اللابقاء. فاليمين الاسرائيلي ذو الشعبية المتصاعدة في اسرائيل بزعامة شارون ومن ورائه المؤسسة الدينية «التوراتية» لا يستخدم ادوات العنف الوحشي وما يرافقها من حصار وتجويع جماعي من اجل خلق تفوق تفاوضي مستقبلي للاسرائيليين.. وانما من اجل ابادة شعب او على الاقل استرقاقه تحت سيطرة يهودية أبدية. ولأن قادة «حماس» و«الجهاد» ادركوا هذا المصير فانهم لا يقاتلون من اجل تحرير الضفة وغزة فحسب من الاحتلال وانما من اجل تصفية وجود الدولة اليهودية نفسها. ولن يمضي وقت طويل.. مع تصاعد المواجهات الدموية واتساع نطاق العنف على الصعيدين الفلسطيني والاسرائيلي والانكشاف الكامل لاجندة اليمين الاسرائيلي حتى يتوصل قادة فصائل المقاومة المسلحة الاخرى ـ فتح والشعبية والديمقراطية ـ الى نفس القناعة. بايجاز نقول انه اذا كان نهج المناورات السياسية والمساومات الدبلوماسية لم يصر بعد في ذمة التاريخ فإنه على الاقل في حالة عد تنازلي متسارع الايقاع. الرئيس عرفات لم يدرك بعد طبيعة هذا التحول الكبير او انه ادركها لكن يحاول باسلوب التفكير الرغبوي اقناع نفسه بغير ذلك. وبهذه الطريقة فإن عرفات يساعد بنفسه في انجاح خطة «اغتيال الشخصية» التي تنفذ ضده بواسطة ثنائي بوش ـ شارون. ان عرفات لا يؤمن بنهج الكفاح المسلح. لكنه كلما ادان عملية فلسطينية مسلحة فإنه من ناحية يغضب قادة المقاومة دون ان ينال رضا من الجانب الاسرائيلي الاميركي. على العكس فإن كلاً من شارون وبوش لا يتوانيان في تحميل عرفات المسئولية. عرفات، الزعيم المخضرم الذي بلغ الثالثة والسبعين يجب ان يدرك انه في سباق مع الزمن. وهو الآن على مفترق طرق. وعليه اذن ان يقرر بسرعة قبل ان يكتمل نجاح مخطط «اغتيال الشخصية».