السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 عندما نتأمل السياسة الاميركية تجاه العالم ولاسيما تجاه منطقة الشرق الأوسط في فلسطين والعراق، نجد أنفسنا أمام نموذج يستحق الدراسة في العلاقات الدولية. ويمكن القول أنه خلال العقدين الأخيرين حدث تحول كبير في آليات أو ميكانزمات العلاقة بين القوى مما أدى إلى إنهيار إحداها أو إنزواء بعضها أو بروز البعض الآخر ولكن في التحليل الأخير حدث تقلص في هذه القوى لتخلو الساحة أمام قوة وحيدة تمتلك من القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية ما مكنها بالفعل من صياغة نظام عالمي جديد يعتمد على فكرة القطبية الأحادية، وهذه القوة هي الولايات المتحدة الاميركية. 1ـ ديكتاتورية القطب الواحد: كان من الطبيعي أن تبرز أميركا كقوة فاعلة ووحيدة تقود العالم في هذه المرحلة، ولكن هذا التطور على مسرح السياسة الدولية أدى إلى حدوث ما يمكن تسميته بالاختلال في توازنات القوى، أو بعبارة أخرى لم تعد هناك قوتان أعظم تمثلان كفتي الميزان كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية في ظل نظام القطبية الثنائية الذي اعتمد في إستمراره على وجود معسكرين، شرقي يقوده الإتحاد السوفييتي وغربي تقوده الولايات المتحدة. ومن خلال التوازن بين القوتين رسمت دول عدم الإنحياز التي تمثل في مجموعها ما يعرف بدول العالم الثالث إستراتيجية حققت من ورائها أكبر استفادة ممكنة من كلا القوتين أو المعسكرين. أما في ظل النظام العالمي الجديد فقد برز معيار واحد هو العلاقة بين القوى السياسية المختلفة والقطب الواحد أو الولايات المتحدة. من هنا حدث الاختلال المشار إليه حيث لم يعد هناك مجال لإستراتيجية الدول غير المنحازة في تثبيت العلاقات المتوازنة بين الشرق والغرب والتي ضبطت إيقاع التفاعلات بين هذه الدول والقوى الكبرى في العالم. مما تقدم نجد أن الولايات المتحدة أصبحت هي القوة المتحكمة في أي تفاعلات إقليمية أو دولية في عالم اليوم، وهو أمر جد خطير لأن ذلك يتيح ظهور ما يمكن تسميته بديكتاتورية القطب الواحد في العلاقات الدولية، وهذا في اعتقادي يؤدي مع إستمراره إلى تهميش القوى الأخرى بما في ذلك المنظمات الدولية الفاعلة على ساحة العمل الدولي وبالطبع من أهمها الأمم المتحدة التي تعبر عن الشرعيه الدولية من خلال قراراتها وهو بيت القصيد فيما نعرض له. 2ـ شرعية مقيدة بالإرادة الاميركية : في إطار ما تقدم تصبح الشرعية الدولية مقيدة بما تراه وتريده السياسة الاميركية ومن ثم تفقد الأمم المتحدة قدرتها على ممارسة إحدى وظائفها الأساسية وهي حماية وإقرار الشرعية الدولية. بعبارة اخرى أصبح العالم اليوم في حاجة إلى تنظيم دولي جديد يكيف نفسه مع المتغيرات التي يعبر عنها النظام العالمي الجديد الحالي، خاصة أن الامم المتحدة جاءت قبل قرابة ستين عاما في ظل نظام عالمي مختلف. ويمكن القول إن إستمرار الوضع الدولي على ما هو عليه بمعنى وجود تنظيم دولي غير فاعل وسيطرة وديكتاتورية أميركية أقرب ما تكون إلى نظام الوصاية أمور يمكن أن تؤدي إلى ظهور مفاهيم جديده للسلوك الدولي من منظور أميركي أحادي الجانب يفرض فرضا على العالم. وفي تقديري تأتي الشرعية الدولية كأحد أهم المفاهيم التي تعرضت للتشويه والإنتهاك من قبل الوضع الدولي الحالي وهكذا نصبح أمام شرعيتين وليست شرعية واحدة. شرعية دولية تراها دول العالم تبرز الإتفاق الجماعي على الأسس التي تحكم مسار العلاقات الدولية بما يضمن إستقرار الأمن والسلم الدوليين وفق قواعد ومبادئ القانون الدولي. وشرعية أميركية تراها الولايات المتحدة وتفرضها على الجماعة الدولية وتنطلق من واقع القطب الأوحد، بمعنى أننا نصبح أمام شرعية دولية لكن من وجهة نظر أحادية أو على الطريقة الاميركية . 3ـ الشرعية الاميركية والأزمة العراقية لعل الأزمة العراقية - الاميركية الحالية تعد احدى أهم الحالات التي يمكن أن يبرز فيها الخلل في تطبيق مفهوم الشرعية الدولية من وجهة النظر الاميركية. إن الولايات المتحدة عندما تريد وتصر على ضرب العراق وتحاول دفع الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى صياغة مقررات تتفق مع التوجه الاميركي، بغض النظر، عن صحه أو عدم صحة مبررات واشنطن لشن حرب على العراق فإنها تمارس نوعا من التسلط والإملاء اللذين يفقدان الجماعة الدولية إرادتها وقدرتها على إقرار مبدأ العدالة الدولية. ومما لاشك فيه أن هناك كثيرا من الدول ترفض الديكتاتورية الاميركية حتى من بين حلفاء وأصدقاء أميركا نفسها، ويبدو هذا جليا في أروقة مجلس الأمن الذي يعتبر المحك والمعترك الذي يعبر عن حاله الخلل في تطبيق مفهوم الشرعية الدولية. ونؤكد هنا أن الأصوات الرافضه للتوجهات الاميركية رغم أهمية دورها مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا وإلى حد كبير الصين واليابان نقول هذه الاصوات لم يرتق تأثيرها وقوتها إلى مستوى تأثير وقوة الفعل الاميركي بالنسبة للأزمة مع العراق. من يعني أن واشنطن سوف تمضى في ممارسة سياسة القهر والقمع ضد ما تراهم أطرافا معادية لها وفي نموذج العراق دليل على ذلك مما يعني إثبات عجز المجتمع الدولى والأمم المتحدة من جهة وأن الولايات المتحدة تسير في اتجاه الحرب ضد العراق من جهة أخرى. 4ـ العراق مبرر لترتيب أوضاع جديدة: من خلال متابعة الاحداث نلاحظ أن الولايات المتحدة في بحثها عن مشروعية تؤيد عدوانها على العراق، لا يهمها الآن تعاون بغداد مع فرق التفتيش الدولية على الأسلحة ولكن يعنيها بالدرجة الأولى ما تردده من ضرورة «نزع سلاح العراق» بغض النظر عن وجود هذا السلاح من عدمه.. وهذا في حد ذاته يمثل سياسة «لي الذراع» ليس فقط للعراقيين ولكن أيضا لي ذراع المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة. في تصوري أن السلوك الاميركي على هذا النحو لا يعبر عن محاولة لإنقاذ منطقة الشرق الأوسط والعالم بل والأمن القومي الاميركي من تهديد يتمثل في أسلحة الدمار الشامل العراقية ولكنه يستهدف إعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الاوسط لتحقيق هدف مثلث الأبعاد: أولا: تكريس نظام إقليمي لا يمثل خطورة على المصالح الاميركية . ثانيا: توجيه الواقع في فلسطين لصالح الكيان الصهيوني وعدم قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني تكون عاصمتها القدس الشريف. ثالثا: تجريد العرب من قدرتهم على التوحد في مواجهة الاخطار الخارجية. وهكذا يصبح من السهل اكتشاف مفهوم الشرعيه الدولية في المنظور الاميركي وهي ببساطه إصباغ صفه الدولية على التحرك الاميركي حتى إذا لم يعبر عن إرادة ورغبه دولية جماعية حتى تجد واشنطن المبرر المشروع لكي توجه «عصاها» هنا أو هناك. 5ـ أميركا تواجه الإرهاب بالإرهاب: تعد السياسة الاميركية شكلا من أشكال الإرهاب الذي تدعى الولايات المتحدة أنها تحاربه وتحشد كل الطاقات لاستئصاله. لكن ما تفعله الولايات المتحدة هو بالتحديد اللجوء إلى نفس الأسلوب الذي ترفضه وتحاربه ونجدها تمارس الإرهاب ضد كل من يقول لها «لا» أو يقف معارضا لسياساتها وفي اعتقادي أن العواقب المترتبة على النهج الاميركي ستكون وخيمة ليس فقط على الولايات المتحدة والشعب الاميركي ولكن على العالم. وهكذا فإن سياسة «الكاو بوي» الاميركية تحمل في طياتها مخاطر جسيمة سوف تطول كل الأطراف ولعلنا نتساءل هل كانت الولايات المتحدة ـ بكل أجهزة إستخباراتها وجبروت قواتها ودهاء ساستها - تتوقع حدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي كانت زلزالا هز رموز القوة الاميركية التي لا يضاهيها أحد ؟! وهنا تكمن خطورة احتمال توجيه ضربات جديدة للمصالح الاميركية داخل وخارج الحدود وربما جهات غير محددة المعالم حيث أن منحنى العداء للولايات المتحدة في تصاعد مستمر ويبدو أن تفريخ أعداء جدد لأميركا أمر وارد في ظل إستمرار سياساتها القائمة على التسلط والتي تفتقد إلى أبسط قواعد العدالة والمصداقية. 6ـ الشرعية ليست شريعة القوة: لاشك أن الولايات المتحدة هي أكبر قوة في العالم وهذا يرتب عليها مسئوليات تجاه الأخرين تجبرها على إعادة النظر في سياساتها وتسعى إلى التخلص من عقده راسخة في اللاشعور عند صانع القرار في واشنطن.. عقده الخوف من الأخرين التي يصاحبها رصيد ضخم من العداء للعملاق الاميركي قد يصل إلى حد يصعب معه تخيل ما قد يخبئه المستقبل. وخلاصة القول أن مبدأ الشرعية الدولية بمعنى سيادة منطق العدل والحق بين أعضاء الجماعة الدولية هو طريق الخلاص مما يعانيه العالم ومن باب أولى أن ترعى القوة الأكبر في هذه الجماعة تطبيق هذا المبدأ وفق سياسة واضحة المعالم لا تعتمد على الازدواجية أو الكيل بمكيالين حتى يسود السلام والاستقرار في ربوع العالم. أما أن يكون مبدأ الشرعية الدولية مرادفا لشريعة القوة والغطرسة هو أمر قد يسود لفترة من الزمن ولكن لن يستمر إلى الأبد. علمنا التاريخ أن أعظم الإمبراطوريات الاستعمارية قد انهارت بفعل إرادة الشعوب عندما رفضت الظلم والقهر ولا أعتقد أن مصلحة دولة عظمى كالولايات المتحدة أن تفكر بمنطق استعماري عفا عليه الزمن لأنه ليس في صالحها أن تستعمر العالم حتى ولو كانت القوة الوحيده فيه. ـ كاتب وإعلامي مصري