السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 الغلو الاميركي في السياسة الرامية لازاحة بعض النظم الموسومة بالديكتاتورية، واستبدالها بأخرى ديمقراطية عبر أدوات القوة، يتعارض والادعاء الشهير بوجود تنسيق وتقاطع راقيين بين مؤسستي صناعة الفكر وصناعة القرار في الولايات المتحدة. ذلك أن فقه النظم السياسية الاميركية يميل الى النظرية التي تنفي قابلية ثقافات بعينها كالكونفوشية والاسلامية للديمقراطية واجراءاتها. وحتى الذين يحسنون انتقاء التعبيرات من أصحاب هذا الفقه ولا يودون طرح القضية بهذه الحدة والجلافة، فإنهم يشيرون أيضا الى صعوبة التحول الديمقراطي بين يدي هذه الثقافات على النحو الذي أدت اليه الثقافة الغربية في أوروبا والولايات المتحدة. والحال كذلك، فإن واشنطن وهي تسعى حثيثا الى تقويض النظم الحاكمة في العراق أو إيران أو كوريا الشمالية أو فلسطين، بزعم ادخال شعوب هذه البلاد في دائرة الجماعة الديمقراطية، تبدو وكأنها غير معنية عمليا بوصايا هذا الفقه، واشنطن بسياساتها العملية تبغي جدلا اجراء التحول الديمقراطي من أعلى، بعمليات انقلابية أو عسكرية تطيح بالنخب الحاكمة هنا أو هناك. فيما تراوح النظرية السياسية الاميركية بين موقفين: أولهما يقطع باستحالة استزراع الديمقراطية في هذه البلاد لعدم قابلية تربتها أو موروثها الثقافي لذلك. وثانيهما يقول بامكانية هذه العملية الاحلالية للتطبيق ولكن في الأجل الممتد، بعد أن يجري تغيير هذا الموروث وتطعيمه بالعناصر الكفيلة باستقبال الممارسة الديمقراطية وعدم لفظها. خطيئة التسطيح والحق أن هذا الموقف الأخير أقرب للمعقولية والفهم، بما يؤهله لاستقطاب بعض التأييد والمناصرة من لدن الفكر السياسي عموما. فالموروث الثقافي محدد لا يمكن نكران تأثيره على قيام وقعود النظم السياسية. لكنه ليس قدرا مقدورا أو كائنا سرمديا. فهو يتسم بالحراكية والدينامية، وقد تحافظ الثقافة السائدة في أي مجتمع على عناصر استمراريتها، لكنها في الوقت ذاته تكتسب عناصر أخرى تعدل بنيتها ومقاربتها للظواهر. ولعله من المفهوم تماما أن سرعة التواصل الانساني وزيادة معدل التفاعل بين المجتمعات وثقافاتها الأساسية والفرعية، جعلت الجانب المكتسب هذا أوسع نطاقا وأعمق أثرا مما شهدته حقب أخرى في العلاقات الدولية. ومع ذلك، ليس ثمة ما يوحي بأن مؤسسة صناعة السياسة والقرار الاميركية تأخذ بهذه النظرية، سواء بموقفها الحدي الذي يستبطن أبعادا عنصرية «كونه يقصر الثقافة القابلة للديمقراطية على منظومة إنسانية بعينها»، أو بموقفها الأكثر موضوعية، الذي يعلق التحول الديمقراطي على تهيئة البيئة الثقافية. ولنا أن نلاحظ كيف تحتاج التهيئة في هذا السياق الى وقت وجهد، وكيف أنها تتصل بقاع المجتمعات وليس بنخبها المسيطرة على مقدرات الحكم فقط. ويبلغ تجاهل الأسس النظرية التي راكمتها الدراسات والمطالعات الفكرية المعنية مداه، حيث تربط مؤسسة الحكم الاميركية ازدهار الديمقراطية وانتشارها في مجتمعات منتقاة بغياب شخوص زعماء بذاتهم طوعا أو كرها. ولا أدل على هذه المقاربة السطحية الساذجة من تعاملها مع الرئيس صدام حسين والرئيس ياسر عرفات، وتصورها المطروح لمستقبل العملية السياسية في العراق وفلسطين بعد التخلص منهما! التحول الديمقراطي بمعايير هذه المؤسسة يصبح قضية بالغة السهولة، يمكن تحقيقها أو إتيانها بعمليات جراحية موضعية تستأصل الرموز الديكتاتورية أو التسلطية. وهذا يَجُبُ الأحاديث المملة والمطولات النظرية العقيمة التي تعالج القضية بحسبها عملية تاريخية ممتدة، أبرز مقتضياتها التغير التلقائي في البنى الداخلية للمجتمعات على الصعيد الثقافي! هذا دون التطرق الى بقية المقتضيات والشروط واللوازم الاقتصادية والاجتماعية التي لا تقل عن ذلك شأنا في حاجتها للصبر والعمل الدؤوب من أجل إنجاح التحول المقصود. ليس لدينا ما نقيس به مستوى القناعة الحقيقية للادارة الاميركية الحالية بهذا الطرح الأهوج. فربما جاءت مداخلتها على هذا النحو من باب العمل الدعائي. لكن المؤكد أن خطاب هذه الادارة، المعلن على الأقل، بخصوص كيفية تعميم الديمقراطية وبسطها في عوالم الآخرين لا يستنكف عن محاولة تبسيط شعائرها وبيع هذه المحاولة لكل من يعنيهم الأمر. البعض يعزو هذه الظاهرة الى افتقار ادارة جورج بوش الابن لذوي الدراية بفقه النظم السياسية والعلاقات الدولية، على غرار ادارات سابقة حظيت برجال جمعوا بين الفكر والفعل تمكنوا من تبصر سلوكهم الدولي بصورة أكثر رشادة. وهذه نقيصة بوسعها التأثير على عمق معالجة ادارة بوش لقضايا كثيرة، غير أنها ليست بتقديرنا العامل الحاسم في خطيئة تسطيح هذه الادارة لقضية التحول الديمقراطي. إذ لا يفترض أن تتألف هذه الادارة من فريق حكماء ومنظرين في علوم السياسة، كي تثبت جدارتها للحكم بصفة عامة وتجاه تناول هذه القضية بصفة استثنائية. اعتلال الذمم علة هذه الخطيئة في المسافة التي تتخذها ادارة بوش من كل موروث النظريات المستقرة في فقه السياسة، كما في حقل العلاقات والقانون الدوليين. بوش والذين معه لا يقيمون لهذا الموروث المعرفي وزنا ولا يراعون له حرمة. الأمر الذي أوقع المنشغلين باتجاهات السياسة الاميركية في عهدهم أسرى الحيرة والارتباك. وأهم من ذلك مراعاة لارتكاب الأخطاء، صمت رجال الفكر السياسي الاميركي «الليبرالي الديمقراطي» أنفسهم عن توعية جماعة الحكم في واشنطن بسقطاتها وهفواتها القانونية والسياسية.. والأخلاقية.. وهو صمت يحتاج بدوره الى تفسير. فإما أنه نتاج تواطؤ مع سلوك النخبة الحاكمة. أو أنه ناجم عن تغير في رؤى هؤلاء المنظرين للسياسة العملية قاد الى الانفعال بها ومساندة القائمين عليها بغض النظر عن صحة توجهاتهم من الناحية النظرية.. وهذا التفسير الأخير وارد جدا في ضوء تأثيرات نهاية الحرب الباردة وانفلات صقور الادارة الاميركية بعد 11 سبتمبر ودعوتهم لأصحاب الفكر من أجل نصرة الدولة في حملتها ضد الارهاب!! كان صامويل منتغتون من أكثر المفكرين الاميركيين الذين تعرضوا لدور الموروث الثقافي في مسألة التحول الديمقراطي. وقد ضمن معظم أفكاره بهذا الخصوص في كتابه الموجة الثالثة.. التحول الديمقراطي في القرن العشرين.. لكنه لم يتناول بعد ذلك انتهاكات ادارة بوش لهذه التحليلات، والمؤكد أنه أصبح منحازا لرؤيته النظرية اللاحقة حول صراع الحضارات ولا معنى لذلك سوى أن بعض المنظرين الاميركيين يعالجون قضايا السياسة بذمم خربة لا علاقة لها بالموضوعية والحياد العلمي. المؤكد على كل حال، أن دولاب السياسة الاميركية الحالية على الأقل حتى لا نقع في خطأ التعميم لا يتحرك على هدى الأطر المعرفية التقليدية للفكر السياسي الديمقراطي، لا داخليا ولا خارجيا. وهذه حقيقة تسهم في انحراف السلوك والقرارات الاميركية عن طريق العقلانية والحسابات الرشيدة، الأمر الذي يربك المتعاملين مع واشنطن ويدفعهم الى عدم تفهمها في كثير من الأحيان وتجاه كثير من القضايا. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة