السبت 18 رمضان 1423 هـ الموافق 23 نوفمبر 2002 في ظل وجود سيارات فارهة ومريحة وفيها كل وسائل التسلية نسي الناس خاصية المشي وفوائده، واستبدلوا متعة السير على الاقدام بمتعة الجلوس في السيارات وفتح الشبابيك وتشغيل الراديو بصوت عالٍ والبرم حول البحيرة او السير ببطء في شارع الرقة وبجواره سيراً متأنياً كمن يسير على الكورنيش طمعاً بالهدوء والصفاء، لكن كيف يتأتى للمرء هدوء وصفاء في شارع يعكس امزجة سائقي السيارات الذين يسيرون الهوينا وهم يتأملون واجهات المحلات ولا يوفرون عباد الله من السابلة فيسمعونهم نتاتيف من اغانيهم المفضلة ويرقصونهم على انغام فوضاهم. منذ سنوات قليلة كان الناس يجدون في خاصية المشي تطهيراً للضجر وتقليلاً للسأم فتراهم يعقدون العزم وينطلقون سيراً على الاقدام الى شارع مشهور او الى متنزه مجاور وخاصة حين يكون الجو لطيفاً مساعداً بهوائه العليل على اكمال هذه المتعة، ودخلت هذه الخاصية في القاموس الشعبي للناس، حيث اخترعت كل بقعة عربية مصطلحها الخاص في المشي فالخليجيون «يحوطون» والمصريون «يتفسحون» والسوريون «يتسيرنون» واللبنانيون «يكزدرون» وغيرهم تعجبهم كلمة المشي فيمشون وفريق اخر يتسكع على الطرقات حيث يمضي الوقت ويدق جرس العودة للبيت، الا ان التسكع مصطلح غير محبوب لأنه فعل يحمل قيمة سلبية ولا مردود ولا فائدة منه. ما يحمل على الاعتقاد ان المشي اصبح طقساً مفتقداً هو تلك الزمر التي تحشر نفسها في السيارات ولا تنزل الى الطرقات لتمشي كما كان الحال سابقاً، وقد لعبت التقنية دوراً رجعياً في غياب المشي كطقس اجتماعي لأن السيارة وفرت للناس كل شيء بداخلها من هواء بارد واغان مفضلة وماسكات اقداح ووسائد للظهر والجنب والرقبة، وليس على المرء سوى ان يقرقش سندويتشه ويمزمز شرابه وهو ينقل بصره بين واجهات المحلات ووجوه البشر. ولا ننسى ان بعض المفاهيم الخاطئة كرست السيارة بديلاً للمشي فبات فريق كبير يظن ان السير مع الاخرين في الطرقات يقلل من الشأن الاجتماعي ويجعلهم في موقع المساواة مع غيرهم، وهم لا يريدون ذلك. ان هذا المفهوم الخاطئ عكس شكلاً مترهلاً للناس فتراهم يحكّمون وقوف السيارة امام باب السوبر ماركت ويركنونها في اقرب نقطة لباب العمل ويدخلونها ملاصقة الى درج المنزل ويستخدمونها في مشوار لا يزيد على مئتي متر وبعدها يعانون من السمنة والترهل. لو اختار واحدنا تمضية يوم بأكمله دون سيارة لوجد فرقاً في اسلوب حياته لأن عملية تحريك المفاصل تطرد مشكلات صحية مستقبلية قد يعاني منها المرء، وهذا الاختيار لو تحول الى يوم في الاسبوع لكانت فوائده كثيرة ولننظر الى المسألة من جانبها العلمي وانعكاساتها على البيئة لأن ما تطلقه عوادم السيارات يومياً يعادل كمية هائلة من السموم تستقر في رئات البشر ناهيك عن الازدحام والازعاج والروائح البلاستيكية وارتفاع الحرارة بسبب المحركات، كل ذلك ستنخفض نسبته لو طبقنا خيار اليوم الواحد، وقد ينعكس الامر ايجابياً على المجتمع فينظر الفوقيون الى اقرانهم نظرة تعادلية وينخرطون معهم في المشي بدلاً من اللف والدوران بسياراتهم بين المحلات وحول المتنزهات وفي الشوارع التجارية.