الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 لقد كان من طبيعة الحجاج ان يرسل جاسوساً وراء كل رسله فعمد إلى ذلك مع الغضبان عندما أرسله إلى الاشعث.. فلما قدم الغضبان على ابن الاشعث قال له: إن الحجاج قد هم بخلعك وعزلك، فخذ حذرك، وتغد به قبل أن يتعشى بك، فأخذ حذره عند ذلك، ثم أمر للغضبان بجائزة سنية، وخلع فاخرة، فأخذها وانصرف راجعاً، فأتى إلى رملة كرمان في شدة الحر، وهي رملة شديدة الرمضاء، فضرب قبته فيها، وحط عن رواحله، فبينما هو كذلك اذا بأعرابي من بني بكر ابن وائل، قد اقبل على بعير قاصداً نحوه، وقد اشتد الحر وحميت الغزالة وقت الظهيرة، وقد ظميء ظمأ شديداً، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال الغضبان: هذه سنة، وردها فريضة، قد فاز قائلها وخسر تاركها، ما حاجتك يا أعرابي؟ قال: أصابتني الرمضاء وشدة الحر والظمأ، فيممت قبتك أرجو بركتها، قال الغضبان: فهلا تيممت قبة هي أكبر من هذه وأعظم؟ قال: أيتهن تعني؟ قال: قبة الأمير ابن الأشعث. قال: تلك لا يوصل إليها.قال: إن هذه أمنع منها، فقال الأعرابي: ما اسمك يا عبدالله؟ قال: آخذ، فقال: وما تعطي؟ قال: أكره أن يكون لي اسمان. قال: بالله من أين أنت؟ قال: من الأرض. قال: فأين تريد؟ قال: امشي في مناكبها. فقال الاعرابي وهو يرفع رجلاً ويضع أخرى من شدة الحر: أتقرض الشعر؟ قال: إنما يقرض الفأر. فقال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة. فقال: يا هذا ائذن لي أن أدخل قبتك. قال: خلفك أوسع لك. فقال: قد أحرقني حر الشمس، قال: ما لي عليها من سلطان، فقال: الرمضاء أحرقت قدمي. قال: بل عليها تبرد، فقال: إني لا أريد طعامك، ولا شرابك. قال: لا تتعرض لما لا تصل اليه، ولو تلفت روحك. فقال الاعرابي: سبحان الله. قال: نعم، من قبل أن تطلع أضراسك، فقال الأعرابي: ما عندك غير هذا؟ قال: بلى، هراوة أضرب بها رأسك، فاستغاث الأعرابي: يا رجال بني كعب. قال الغضبان: بئس الشيخ أنت، فوالله ما ظلمك أحد فتستغيث. فقال الاعرابي: ما رأيت رجلاً أقسى منك، أتيتك مستغيثاً فحجبتني وطردتني. فلما قدم الغضبان على الحجاج وقد أبلغه الجاسوس ما جرى بينه وبين ابن الاشعث وبين الاعرابي، قال له الحجاج: يا غضبان، كيف وجدت أرض كرمان؟ قال: أصلح الله الأمير، أرض يابسة، الجيش بها ضعاف هزالى، ان كثروا جاعوا، وان قلوا ضاعوا. فقال له الحجاج: ألست صاحب الكلمة التي بلغتني انك قلت لابن الاشعث: تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك؟ فوالله لأحبسنك عن الوساد، ولانزلنك عن الجياد، ولأشهرنك في البلاد، قال: الأمان، أيها الامير، فوالله ما ضرت من قيلت فيه، ولا نفعت من قيلت له، فقال له: ألم أقل لك: كأني بصوت جلاجلك تجلجل في قصري هذا؟ اذهبوا به إلى السجن، فذهبوا به، فقيد وسجن. أبوصخر