الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 ليس عندنا فقط، ولكن في جميع دول العالم، فإن المراهقين والطلاب والشباب الصغار من الجنسين لا يميلون إلى القراءة، وان كانوا يملؤون اروقة مكتبات الجامعات، والمكتبات الخاصة فلأنهم يبحثون عن مراجع علمية محددة يستعينون بها في اتمام ابحاثهم المطلوبة، ما عدا ذلك فإنهم ان قرأوا فإنهم يقرؤون روايات الجريمة والقصص الغرامية البسيطة، وقليلون جداً من جموع هؤلاء الطلاب والطالبات ممن يصابون بلوثة القراءة!! هذه حقيقة، ومن يطالب كل شبابنا بالقراءة فانه يحلم بالمستحيل، ذلك بأن الميل نحو المعرفة كشف وكرغبة ذاتية نابعة من داخل الشخص لا يحتاج إلى نصائح وتنظيرات ودورات، تلك حكاية الوعي، ورحلة البحث عن النور والحقيقة، وهي رحلة نبدؤها بقرار يفرضه وعي مبكر، وتساعد على انجاحه ظروف كثيرة، رحلة تبدأ بعشق الحرف والكلمة وصفحة الكتاب ومعاني الجمل والعبارات، تبدأ حينما تتطلع الروح هنا وهناك باحثة عن البداية، عن الطريق، عن منابع الطمأنينة، فإذا بالكتاب بوابة ذلك كله! جيل اليوم لا يقرأ، قالها لي رجل فاضل، هو أب للعديد من الشباب والشابات، وهو اديب ومثقف ولكنه كما يقول لم يستطع ان يغرس حب الكتاب والقراءة في نفوس أبنائه برغم كل محاولاته، قلت له مخففة: جيل اليوم يتعلم بشكل أفضل لأننا كرسنا في داخله بأنه ليس سوى اداة للارتقاء بالاقتصاد، ورقم في معادلة تحتاج إلى اصلاح تتعلق باحتياجات السوق، وترس في آلة ضخمة يجب ان تدور وتعمل اذا اردنا ان ننجز مخططات التنمية، وهذا كله لا يحتاج إلى قراءة ومعرفة. ان اعداد الجيل بكل الاسلحة التي يتطلبها ميدان سوق العمل يحتاج لأمور اخرى، وهذه كلها في قبضة هذا الجيل، وعليه فلا لوم عليهم! جيل اليوم مشغول بمتابعة الجديد في كل مجال، يقرأ بغير لغته، يتحدث بلغة هجينة خليط من العربية والانجليزية، يرتدي ثياباً عجيبة، ويصفف شعره ويصبغه بشكل ملفت، يتعامل مع تقنيات العصر بمهارة، يميل إلى العلوم التقنية والمحاسبية والفنية، يمتاز بالطموح الشديد، وايضاً بالانانية الشديدة فهو معتد بنفسه، ويميل إلى الاستقلالية في الرأي والحياة ولكنه ونتيجة لكل الثقافة التي يؤمن بها فهو لا يجد ضرورة لقراءة الكتب التي يقرؤها جيل سبقه ومختلف عنه في كل شيء. علينا ان نفهم جيداً بأننا نتحدث عن جيل كبر سريعاً في ظل متغيرات عالمية واقليمية ومحلية داخلية غاية في التعقيد والتداخل والتغير، أثرت عليه وقلبت موازين الحياة ونسق العلاقات والمفاهيم من حوله، ولم يكن بامكانه ان يوقف عجلة الحياة او ان يطالب بايضاحات عما يحدث من تحول وانقلاب، ولهذا وجد نفسه وسط التيار الذي جرف الجميع وجرفه. نحن نطالب جيل الثمانينيات والتسعينيات بما كان يطالب به جيل الخمسينيات والستينيات وهذا مستحيل فأجيال اليوم التي نراها تتعامل مع مفاتيح التغيير والتقنية بسلاسة وسهولة وتقتحم آفاقاً لم تخطر على بال الاجيال السابقة، تعرضت لهجوم اعلامي اعلاني فني لا مثيل لشراسته، وعاشت خضات على اكثر من مستوى: فخطط ومناهج التعليم غير مستقرة وفي حالة تغير مستمر، نظم الاسرة تغيرت، العلاقات الاجتماعية اهتزت، المعايير الاخلاقية اصابها الطوفان، التربية الدينية ضعفت كثيراً، دور المدرسة اختل تماماً وصورة المعلم او المعلمة القدوة والمثل ذهبت مع رياح التغيير،... الخ وبعد ذلك وبرغم كل ذلك فهذا الجيل الذي لا يقرأ ما يقرؤه جيل الستينيات مطلوب منه ان يحمل على كاهله مسئولية اصلاح الخلل في كل ما تسببت فيه الاجيال السابقة، مطلوب منه ان ينجز حلم التنمية، وان يحل خلل التركيبة السكانية، وان يعدل اعوجاج ميزان العمالة، وان يسد احتياجات السوق والوظيفة العامة و... وبعد ذلك نتهمه بأنه لا يقرأ ولا يعرف طريقه للثقافة!! فأي قراءة نريده ان يقرأ؟ وأي نوع من الثقافة نطالبه به؟ ومن اعطانا الحق لنحدد له قراءته وثقافته، ومن قال بأنه لا يعرف ولا يفهم لأنه لا يقرأ ما قرأه السابقون؟ ثم هل انتجنا له الكتب التي تناسبه وتجيب عن اسئلته وتشبع متطلباته ام انه يجب ان يقرأ ما قرأناه نحن منذ سنوات ليعيد سياسة نسخ الاجيال حفاظاً على الموروث والسائد؟! قد تكون له موارده الثقافية، وقد يحتاج منا لجهد جهيد يعدل الخلل في كل ما حدث له، وقبل ان نحاسبه علينا ان نحاسب أنفسنا اولاً!