الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 قد تكون هذه السنوات من أفضل الفترات بالنسبة للاعلاميين في الامارات. هذه الافضلية سببها المكاسب التي تحققت للاعلامي هنا، وعلى رأس هذه المكاسب الاهتمام والاولوية التي يجدها. انه اصبح مهماً، له كلمة مسموعة وله مكانة، له حقوق وله مزايا، لقد تغيرت الصورة التي كان عليها والتي فرضت عليه في تعامله مع القطاعات المختلفة في اعوام ماضية. وفضل هذا التحول لم يأت من الصحافي نفسه أو من المؤسسات الاعلامية التي ينتمي لها، انما من شخصية ترسم مستقبل هذا الوطن، مثل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع. هو الذي اعطى كل هذا الاهتمام والعناية بالاعلامي، قرّبه منه جداً وقدمه على الآخرين، وجعله مستشاراً وصديقاً وشخصاً حاضراً عنده في كل حالاته اينما تواجد سموه في المناسبات الرسمية، في سفره او في مجلسه الخاص، وهذا الاهتمام جاء من سموه لانه يعلم قيمة الاعلام في حياة السياسي وفي صناعة الدولة، واستشعاراً بأهمية الاعلام في زمن الاعلام، وكيف ينعكس ذلك على المستقبل، خاصة اذا كان المستقبل المنشود واسعاً وطموحاً، انه يبغي اعلاما منوعاً ومقرباً منه وقوياً وهذه اهم الصفات التي يجب ان تقترن بهذا الجهاز. ان يكون هذا الاعلام حاضراً عند سمو الشيخ محمد بن راشد في كل الاوقات والمناسبات، يدخل عليه ويحادثه ويستفهم منه وينقل له قضاياه ومتاعبه. ورغبة سموه ان يكون قريباً من جميع الزملاء والزميلات ولجميع وسائل الاعلام وتمثل ذلك في ان يخصص لهم لقاءً سنوياً هدف منه ان يسمع لهم، هذه اهم ميزة تحققت، وهذا المنتدى الذي تحول الى عرف سنوي لو عمل الزملاء على استغلاله، بمعنى الاستفادة من خصوصية المناسبة، لحققوا العديد من المكاسب للصحافة. وغير هذا الدعم المعنوي والمكانة المقربة التي اتيحت للاعلام بجميع وسائله وافراده، فإن سموه قدم لزملاء المهنة مكاسب عدة، ابرزها: نادي دبي للصحافة وجائزة الصحافة والمنتدى الاعلامي السنوي ومنتدى دبي الاستراتيجي الذي في جانب كبير منه يناقش قضايا ومستقبل الاعلام. وبارك لهم تأسيس جمعية الصحفيين منذ بداياتها ووفر لها امكانات ان تستقر وتطور انشطتها، وابدى سموه كذلك دعمه المادي والمعنوي ورعايته لصندوق التكافل الذي تعمل عليه الجمعية، والذي في رأيي انه من اهم المنجزات التي ستتحقق للصحافي اذا بدأ هذا الصندوق نشطاً وطموحاً وقوياً. وصارت دبي مقراً ومزاراً لا تنقطع عنه وسائل الاعلام الدولية، ووجدنا الكثير من القامات والاعلام الصحافية العربية والعالمية التي كنا نقرأ لها أو نشاهدها ونسمع لها، وسكنت في ذاكرتنا وشكلت بعض ثقافتنا وطموحاتنا تتواجد بيننا، وهذه اللقاءات اوجدت فرص التعارف عن قرب وتبادل المعرفة والاستفادة من هذه النخب ومن ثم خلق علاقات المشاركة والاندماج مع مؤسسات اكبر وشخصيات لها ثقل وتجربة طويلة. كذلك مناخ الحرية الصحافية الذي طالب به سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام وسعى ان يوفره، وايضا اطروحاته العديدة التي تشدد جميعها على اهمية الفضاء المفتوح والغاء الرقابة ووزارات الاعلام، هذا الطرح والمناشدة، وهذا المسعى الذي حاول سمو وزير الاعلام الوصول اليه والدفاع عنه، يعتبر من اهم المكاسب واصعبها لانه يرتبط بمضمون وهوية هذا الاعلام، وهو المطلب الازلي للاعلام، والاعلام العربي تحديداً، وهو التحدي الحقيقي في مسيرة ومستقبل الاعلام بالامارات. لكن اللافت في هذه المكاسب جميعها انها جاءت من اعلى والاصل ان تكون المطالبة من القاعدة، اي ان يسعى الوسط الاعلامي الى تحقيق اهدافه وحقوقه في مطلب الحرية الصحافية واثبات وجوده وقوته. وهذه اشكالية اذا استمر الاعلام كذلك ينتظر ولا يبادر، وبهذه النظرة قد يخسر كل المكاسب التي تحققت له، اذا لم يحسن التعامل معها والاستفادة منها في تطوير وضعه. لابد لاعلامنا ان يعيد النظر الى داخل البيت، وان يعيد حساباته، هناك مطبات عديدة تعرقل تطوره، يحتاج معها الى الشفافية وقوة الطرح وقوة التنفيذ والسرعة في ذلك، ان كان يبغي مكانة افضل في مستقبل وعالم لا يعترف إلا بقانون الافضلية والقوة. وان القوة ان تكون كذلك من الداخل أولاً: ـ صحافتنا واعلامنا بشكل عام يعاني من عقلية ادارة الفرد الواحد، بينما الادارة الناجحة في كل زمان ومكان هي الادارة الجماعية والمتخصصة للمؤسسات ونظام مجالس الادارات. فالاعلام ما عاد هو المؤسسة البسيطة في تكوينها واداراتها، بل اصبح نظاماً معقداً متشعباً يحتاج الى التخصص في كل فروعه، يحتاج الى الفكر الاداري المتطور. ـ غياب النظام المؤسسي ومجالس الادارات انعكس من بين آثاره السلبية العديدة على العاملين في هذا الحقل، وهذه اسوأ مشكلاته، فالاعلام صناعة تعتمد في المقام الاول على ابداع وفكر الفرد، فاذا عانى الاضطهاد والتعسف والمزاجية داخل هذا الجهاز، ولم يجد القنوات التي تنصفه، فإن ذلك لا يعمل على تحطيمه وتهميشه فقط، انما ينعكس على الجهاز ودوره، فالفرد مهما كانت صفته هنا فإنه يؤثر في الوسيلة التي ينتمي لها. ـ الاعلام صانع قبل ان يكون مجرد ناقل، ولا يمكنك ان تصنع الخبر الدولي ـ إلا نادراً ـ فهذا تكفلت به وكالات الانباء العالمية، لكن اعلامنا يمكن ان يكون صانعاً في بلده، اولى ان ينعكس ذلك في الخبر والرأي والتحقيق المحلي. والواقع يقول ان اغلبية انتشار وتواجد هذا الاعلام في النطاق المحلي. هذا السوق الرئيسي والاهم له فكيف اكون له ولا انقل نبضه واعبر عن رأيه ورغباته واشعره انني موجه له في المقام الاول. ـ صناعة الاعلام في جانب منها يكون الترويج ونقل النشاطات والاحداث المختلفة، لكن لا يتبدل الاعلام الى اعلان، وتقتصر مهمته على دور الوسيط بين الجمهور والمؤسسات التي يهمها الابلاغ عن نشاطاتها ووجهها الايجابي ولو بالغت في ذلك. الاعلام له ادوار اكبر وأهم، وقضايا الوطن تكبر كلما كبر وتوسع الوطن، وهموم الناس وطموحاتهم تزداد وتتشعب، واصل الاعلام ان يكون من الناس وإليهم. ـ ينبغي للجيل القديم في هذا الحقل سواء من المواطنين او الاخوة العرب، ان يسعوا فعلا وينسوا قليلا الاسطوانة المشروخة التي تردد دائما انه لا جدوى ولا فائدة ولا يوجد مواطن مهتم ويفهم في هذه المهنة الصعبة، عليهم تبني الجيل الشاب ومنحه الفرصة وتعليمه الصنعة وغرس فيه ما تبقى من قيم ومباديء فهذا هو التواصل، وهذه هي الجذور الممتدة، ستبقى سيرة من علّم، سيبقى ذكره وفكره في هؤلاء، وسيكون اعلامنا قوياً مادامت فيه دماء جديدة. اعلامنا عليه ان يبحث في شئونه وان يكون واضحا صريحاً في نظراته وتقييمه، الا يضيع هذه الثقة والاهتمام وهذه المكاسب، ان يبحث له عن مستقبل افضل.