الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 جاء اختبار المصداقية العربية تجاه العراق بأسرع مما توقعت الحكومات العربية.. فبعد أقل من اسبوعين على صدور قرار مجلس الأمن بشأن استئناف عملية التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل وموافقة بغداد غير المشروطة، بدأت اللعبة القذرة الأميركية لافشال التفتيش، وبالتالي التمهيد لضرب العراق. لقد فاجأت الادارة الأميركية العالم بتصريحات تنطوي على اتهام للعراق بخرق القرار الدولي 1441. ووفقا للاتهام فان المضادات الأرضية العراقية تطلق النار على الطائرات الحربية الأميركية التي دأبت على التحليق فوق ما يسمى «منطقتي الحظر الجوي». ويرتكز الاتهام الأميركي على نص من نصوص القرار 1441 يقول ان العراق «يجب ألا يهدد او يقوم بأعمال عدائية ضد عضو في مجلس الأمن يسعى لتطبيق اي قرار لمجلس الأمن». والسؤال هو: هل تحليق الطائرات الحربية الأميركية فوق «منطقتي الحظر الجوي» يعتبر سعيا أميركياً لتطبيق قرار لمجلس الأمن الدولي؟ ابتداء.. فان تحديد «منطقتي الحظر الجوي» ابتداع اميركي صرف لا يستند إلى أي قرار دولي. هناك منطقة شمالية وأخرى جنوبية في الاراضي العراقية.. حددت خطوطهما الولايات المتحدة وحدها بحجة حماية الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب.. ومن ثم اعتبرتهما منطقتين محظورتين على الطيران العراقي او الدفاعات الجوية العراقية. ولتفعيل هذا الحظر الاحادي تحلق الطائرات الحربية الأميركية في اجواء المنطقتين من حين لآخر. وقد كانت كل من بريطانيا وفرنسا تشاركان في هذه العملية.. لكن فرنسا انسحبت. القضية إذن مقلوبة. فالسؤال الذي يجب ان يطرح ليس ما اذا كان قيام العراق باطلاق النار على الطائرات الأميركية (والبريطانية) خرقا للشرعية الدولية، وانما هو ما اذا كان التحديد الأميركي لمنطقتي «الحظر الجوي» ومن ثم تحليق الطائرات الأميركية اصلا عملا شرعيا من منظور القانون الدولي او قرارات مجلس الأمن. لقد كان من اوائل من تصدوا للتفسير الأميركي العجيب الامين العم للأمم المتحدة نفسه. فقد اعلن كوفي عنان ان استخدام العراق للمضادات الجوية في «منطقتي الحظر» في الشمال والجنوب ضد طائرات اميركية وبريطانية «لايمثل انتهاكا» للقرار 1441. وما كان لعنان ان يتصدى للولايات المتحدة بهذه القوة دون تهيب إلا لأنه بات يدرك ان السطوة الأميركية على هيئة الأمم المتحدة تقلصت بعد المعارضة الشرسة داخل مجلس الأمن الدولي من قبل قوتين دوليتين اخريين: فرنسا وروسيا.. وإلا فلماذا لم توات عنان مثل هذه الجرأة في السابق. ان الأمين العام للأمم المتحدة ليس الجهة الوحيدة التي عارضت التفسير الأميركي للقرار 1441 من خلال مسألة «الحظر الجوي» لاظهار بغداد بمظهر التحدي للشرعية الدولية. فقد صدر اعتراض آخر من آخر جهة لا يمكن ان ينتظر منها حتى مجرد التشكيك في الموقف الأميركي. هذه الجهة هي حكومة توني بلير ـ الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة.. والمشاركة في عملية تفعيل الحظر الجوي. فقد نقلت الصحافة البريطانية عن كبار المسئولين في حكومة بلير أنهم لا يشاركون واشنطن وجهة النظر وانهم اعربوا عن قلقهم في سعي الرئيس الأميركي لاعتبار التصدي العراقي للطائرات الأميركية والبريطانية فوق «منطقتي الحظر الجوي» عملا من اعمال العدوان. وفي الوقت نفسه ارتفع صوت من موسكو. فقد اصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا رسميا قالت فيه «ان المزاعم الأخيرة بأن نشاط العراق داخل منطقتي الحظر الجوي قد يعتبر انتهاكا لقرار مجلس الأمن رقم 1441 ليس لها اساس قانوني. والآن ماذا تقول الحكومات العربية؟ لقد ظل كبار المسئولين العرب يتبارون في «حث» بغداد على «مراعاة» الالتزام بالشرعية الدولية. وتبالغ الحكومات العربية حتى الآن في اسداء هذا «النصح» الى الحكومة العراقية بمناسبة وغير مناسبة حتى بعد قبول العراق القرار 1441 دون اي شرط. فماذا تقول الحكومات العربية الآن بشأن «الحظر الجوي الأميركي» علما بأنه ترتيب ينطوي على خرق صريح للشرعية الدولية؟ ان ما يليق بالحكومات العربية إذا كانت صادقة فعلا في غيرتها على الشرعية الدولية عندما يتعلق الأمر بالعراق أن ترفع احتجاجا رسميا الى الأمم المتحدة تطالب فيه بقوة بالغاء «الحظر الجوي» الأميركي باعتبار انه ترتيب غير مشروع من منظور القانون الدولي والقرارات الدولية. وسوف تتطلع الشعوب العربية لتنظر ما اذا كانت الحكومات العربية سوف تنجح في هذا الاختبار.