الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 لم تستطع اسرائيل الرد بالقبول أو بالرفض على خطة «خارطة الطرق»، الأميركية، والتي باتت بعهدة اللجنة الرباعية الدولية، وذلك بسبب الخلافات الداخلية ولاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات للكنيست، وأيضا بسبب الوضع الحرج الذي تمر به على الصعيد الدولي على خلفية ممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومعروف أن هذه الخطة تتضمن وقف الانتفاضة والمقاومة وادخال اصلاحات على السلطة الفلسطينية في مجالات الأمن والمال والمؤسسات وفصل السلطات، في مقابل وقف اسرائيل لممارساتها الارهابية بحق الفلسطينيين ورفع الحصار عنهم وتجميد الاستيطان واقامة دولة فلسطينية مؤقتة، في العام 2003، ثم التفاوض على قضايا الحل النهائي وصولا لاقامة دولة فلسطينية في العام 2005. وعموما فان اسرائيل طلبت من الادارة الأميركية تأجيل الرد الاسرائيلي على الخطة الى ما بعد الانتخابات، التي ستجري في 28 يناير المقبل، وهو الموعد الذي يصادف الموعد النهائي المفترض لتقديم المفتشين الدوليين لتقريرهم بشأن العراق، والذي سيتقرر بناء عليه مصير العديد من قضايا المنطقة ومن ضمنها مصير عملية التسوية، وشكل تعاطي الادارة الأميركية مع هذا الملف الساخن. ويمكن، أيضا، تفسير هذا الموقف الاسرائيلي المضطرب برغبة ارييل شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية بعدم المجازفة بالموافقة على الخطة، في ظل التجاذب بينه وبين بنيامين نتانياهو «رئيس الحكومة الأسبق» على زعامة حزب الليكود، وأيضا رغبته عدم رفضها لأن من شأن ذلك عزل اسرائيل دوليا وتكثيف الضغوط الأميركية عليها. ومعروف أن نتانياهو الذي بات وزيرا لخارجية اسرائيل بعد انسحاب حزب العمل، والمدعوم من الأحزاب اليمينية «القومية والدينية» المتطرفة، يطالب شارون برفض الخطة والتخلي عن التعهدات لاميركا بطرد عرفات ومعارضة قيام دولة فلسطينية والالتزام فقط بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا. وفي الواقع فان الخلاف بين شارون ونتانياهو ليس كبيرا، فكلاهما يريد التخلص من عرفات ومن مشروع الدولة الفلسطينية، وكلاهما يؤيد الحل الأمني ضد الفلسطينيين ويشجع على الاستيطان في أراضيهم، أما الفارق بينهما فينبع من أن الأول في السلطة والثاني خارجها، لذلك فان اللعبة هنا تدور حول الصراع على زعامة الليكود واليمين الاسرائيلي ورئاسة الحكومة الاسرائيلية القادمة بعد انتخابات يناير 2003. ودليل ذلك أن نتانياهو نفسه حين كان رئيسا للوزراء التزم باتفاق أوسلو وعقد اتفاق «واي ريفر» مع الفلسطينيين 1998 وكان يحرص على تساوق سياسته مع السياسة الاميركية. مع ذلك ينبغي ملاحظة أنه ثمة تطور في مواقف شارون، الذي بدا بوجوده في الحكومة أقرب الى وسط اليمين في حين أن خصمه نتانياهو بات زعيما لليمين المتطرف. وثمة وجهات نظر اسرائيلية ترجح احتمال تحرك شارون نحو التسوية بعد أن ينتهي من ياسر عرفات وبعد أن يوجه للمقاومة الفلسطينية ضربة قاصمة. ولعل هذا يفسر التصريح الذي أدلى به شارون مؤخرا 14/11/2002 والذي اعترف فيه بأن الدولة الفلسطينية باتت حقيقة واقعة، في معرض رده على تصريحات نتانياهو المتطرفة والتي وصفها بأنها غير مسئولة. وكان شارون قد قاوم توجه مؤتمر حزب الليكود الخاص باصدار قرار يعارض الدولة الفلسطينية، في يونيو الماضي، في حين أنه، في أكتوبر من العام 2001، كاد أن يورط اسرائيل في أزمة مع الادارة الأميركية حين شبه تصريح بوش بشأن قيام دولة للفلسطينيين بموقف رئيس الحكومة البريطانية تشيمبرلين الذي ساوم هتلر على تشيكوسلوفاكيا؛ وكان شارون يستشهد باتفاق ميونيخ 1938 بين رئيس الحكومة البريطانية تشيمبرلين وعدد من زعماء الغرب والزعيم الألماني هتلر الذي سمح للأخير بالاستيلاء علي جزء من تشيكوسلوفاكيا لاستمالة النظام النازي. عموما فانه من الملاحظ أن الاضطراب في الموقف الاسرائيلي ازاء الخطة الأميركية لم يقتصر على الحكومة وانما شمل، أيضا، مواقف المحللين والسياسيين الاسرائيليين، واللافت للانتباه أنه ثمة خشية واضحة مما يمكن أن تخبئه ادارة بوش لاسرائيل، بالرغم من كل الدعم الذي تمنحه لها! واللافت أنه ثمة أصواتا مهمة في اسرائيل تعتقد بأن الادارة الأميركية ستتعامل مع ملف التسوية بحزم بعد أن تنتهي من ملف العراق، يقول ألوف بن: في المؤسسة السياسية والأمنية الاسرائيلية يوجد اجماع واسع يقول بأن الأميركيين سيتوجهون من بغداد صوب القدس من اجل التوصل الى تسوية اسرائيلية - فلسطينية. هذا ما يعتقده الوزراء وقيادة جيش الدفاع وشعبة الاستخبارات العسكرية ووزارة الدفاع. والافتراض السائد أن انتصار الاميركيين على صدام بسهولة سيجبرها على تعويض أصدقائها في السعودية ومصر. واذا تعقدت الحرب وظهر العراق على صورة فيتنام فسيزداد احتياج الاميركيين للعرب أكثر فأكثر. الحساب معروف سلفا في كلا الحالتين: اخراج اسرائيل من المناطق واقامة دولة فلسطينية. وزراء في الليكود يتوقعون حدوث مجابهة بين اسرائيل والادارة الاميركية حول مطلب التنازلات والانسحاب الذي سيطرح غداة حرب الخليج. الرسالة التي وصلت في الأسبوع الماضي من واشنطن تفيد بأن بوش يتعامل مع «خريطة الطرق» بجدية وانه يريد أن يرى الدولة الفلسطينية المؤقتة خلال فترة ولايته. والادارة الاميركية أطلقت أيضا أصواتا معبرة عن عدم الارتياح من المستوطنات «هآرتس 7/11/2002». وكانت اورلي أزولاي قد أكدت على ذلك في وقت مبكر بقولها: «في نهاية المطاف سيقوم بوش بفرض الأمر، وهو لن يقوم بذلك بسبب مشاهد الدم والقتل وانما لان ذلك مصلحة اميركية. هذا الرئيس برهن انه لا يقبل التنازل في كل ما يتعلق بالمصالح الاميركية. عرفات سيتلقى الضربة وشارون سيتلقى نصيبه أيضا وربما كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة التي سيفهمانها». يديعوت أحرونوت 5/4/2002 وحتى أن بنيامين بن اليعازر زعيم حزب العمل «وزير الدفاع سابقا» كان قد تساءل عن كنه الفرحة التي أبداها اليمين تجاه خطاب بوش 26/6/2002 بتصريح قال فيه: «اليمين لم يفهم بوش، المواقف التي طرحها تبدو يمينية على المدى القصير، ولكن الأمر عبارة عن تنازل كارثي بالنسبة لليمين على المدى الأبعد».. والأفق السياسي الذي طرحه بوش يشبه، بحسب رأي بن اليعازر، خطة كلينتون وباراك وبن اليعازر للانسحاب الاسرائيلي شبه الكامل من المناطق وتفكيك المستوطنات. ويفسر ناحوم برنياع الوضع الجديد والخطير الذي يجب أن تأخذه اسرائيل في اعتبارها، في علاقاتها مع اميركا، بقوله: «هذه المرة لا يقاتل الاميركيون على مناطق تأثير، على فيتنام أو الكويت أو كوسوفو. انهم يقاتلون على حقهم في اميركا. هذه حرب وجودية - بالضبط مثلما تمسكنا نحن بهذا المصطلح في حروب اسرائيل. وهم لن يترددوا في المس بمن يعرقلهم، حتى لو كان حليفا. القطار يسير، واذا احتاج الأمر أن يدوس أحدا في طريقه سيدوس. الى هذا الحد يريدون الانتصار. العزيمة الأميركية هذه غير مفهومة في أجزاء أخرى من العالم. ولمزيد من الأسف، فانها لم تفهم تماما كذلك في اسرائيل «يديعوت أحرونوت 8/10/2002» وجدير بالذكر أن هذا الاستنتاج يتفق مع ما خلص اليه مارتن أنديك بقوله: «ان الحرب ضد العراق قد تبدأ بالضغط الأميركي من اجل تجنيد الدعم الدولي لها، لكنها قد تنتهي بالضغط الأميركي على اسرائيل من أجل سحب جيوشها من الضفة». «يديعوت أحرونوت 13/9/2002». على أية حال ثمة اضطراب اسرائيلي ويبقى على العرب معرفة استثمار هذا بوحدة موقفهم وبحسن ادارتهم للسياسة العربية في هذا المنعطف الخطير. ـ كاتب فلسطيني