الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 القضية الفلسطينية والصراع على مستقبلها امر مستمر في عالمنا العربي. وانعكاس ما يقع في فلسطين على احوالنا المحلية هو الاخر امر مستمر على جميع الاصعدة. فإن تم بناء سلام حقيقي فانعكاسه على العرب من حيث التنمية والقدرات يختلف عن استمرار حالة حرب دائمة تستنزف الامه وتودي بقدراتها وتهدر طاقاتها. الحالة العربية الاسرائيلية في الحرب ساهمت بهدر طاقات الامة، وساهمت بأكثر من حرب اهلية في اكثر من بلد عربي، وساهمت ببروز حركات سياسية قومية واسلامية مقاتلة. وقد ادى هذا بدوره الى استنزاف الانظمة واستنزاف الحركات السياسية الشعبية. وفي كل مرحلة بررت حكومات عربية عديدة غياب الديمقراطية باستمرار حالة الحرب وبضرورة ان لا يعلو صوت فوق صوت المعركة، اما الحركات السياسية الشعبية العربية فبررت هي الاخرى عدم التفاتها للتنمية وتركيزها على» الهم القومي الاول او الهم الاسلامي الاول «بضرورات المعركة والتحرير. في الجوهر ظل الخاسر الاول والاخير: المواطن العربي والفلسطيني، ولم يقع التحرير ولم ننجح في تصفية اثار «نكسة 67 او هزيمة 48»، وتعمقنا في نهج التدني العلمي والثقافي والديمقراطي والسياسي كما يشير تقرير التنمية البشرية الصادر عن الامم المتحدة هذا العام. ونجد في العالم العربي طريقين لا ثالث لهما. طريق يؤمن بضرورة الاستمرار في العنف المسلح ورفع راية المواجهة المسلحة بما فيها افاق فرض الشروط العربية والفلسطينية على اسرائيل، وطريق آخر يرى ان طرق النضال متعددة ومختلفة وانه يجب ان لا يلزم العرب بطريق عسكري وحيد للمواجهة. الطريق المسلح هو الطريق الذي يقول بعدم التمييز بين اليهود، والى النظر اليهم ككتلة واحدة والى ضرورة توجيه الضربات لهم جميعاً، وذلك انطلاقاً من ضرورة ايصال العنف لهم لكي ينسحبوا من الاراضي الفلسطينية. اما المنهج الاخر فيرى ان طريق العنف المفتوح وسياسة الارض المحروقة لا تؤدي الا الى مزيد من الدمار والى فك عزلة اسرائيل الدولية والى افقاد العرب ارضية الحقوق والعدالة التي تتميز بها قضيتهم. فاسرائيل تتميز بقوتها المسلحة بينما يتميز الفلسطينيون والعرب بانهم اصحاب قضية حق وان صاحب الحق بامكانه ان يقاوم من خلال وسائل عديدة لا يشترط ان يكون اساسها العمل العسكري. الحالة العربية الاسرائيلية «حمالة اوجه». فهي تلك الحالة التي استخدمت عربياً لنسيان التنمية في العالم العربي وضمن اراضي السلطة الفلسطينية، وهي ذات الحالة التي استخدمت لتبرير التفكك العربي والضعف والتراجع. انها حالة غريبة حولناها الى مبرر لكل الاخطاء والى شماعة علقنا عليها كل السلبيات. بل ان كل من اراد في العالم العربي ان يتدخل بشئون جار له او يصفي حساباته مع دولة جارة استخدم القضية الفلسطينية. وكم من الحروب والصراعات العربية العربية قامت باسم فلسطين دون ان يكون لفلسطين ذنب في قيامها او مكسب من نتيجتها. فمن حرب اليمن، الى حرب الاردن ولبنان والاهليتين الى عشرات الانقلابات والمحاولات الانقلابية العربية الى العديد من الاحزاب العربية: فلسطين كانت ومازالت المحور. والمؤسف ان كل هذا يقع دون ان ننجح في نصرتها او ايجاد حل عادل لها او تحقيق نصر واضح فوق ربوعها. اليوم بالتحديد تدخل القضية الفلسطينية في مفصل جديد من مفاصلها المتعددة. المفصل الجديد مرتبط بالعمليات المسلحة التي تصيب المدنيين الاسرائيليين، والتي تعود وتساهم في ردود اسرائيلية لا يوجد عربيا من يستطيع منعها او الحد منها، اذ تساهم هذه الردود في تدمير المجتمع الفلسطيني وتهيئ لطرد جماعي قد يكون كارثة كبيرة جديدة على العرب والمسلمين. وعلينا ان نلاحظ انه بينما نجح حزب الله في الماضي بطرد اسرائيل من الاراضي اللبنانية المحتلة، نجد ان العمليات الفلسطينية والتي تتفوق نوعيا على عمليات حزب الله لم تستطع ان تفرض انسحابا اسرائيليا مشابها. فهناك فارق كبير بين الوضع الفلسطيني واللبناني وذلك لان اسرائيل تطمح لاستيطان الارض الفلسطينية والحفاظ عليها كأراض محتلة، بينما لم تكن اسرائيل تطمح للبقاء في جنوب لبنان. اما السبب الثاني فهو عقدة القدس وسعي اسرائيل للبقاء في القدس.. ام السبب الثالث فخطورته تنبع من خوف الاسرائيليين بصورة مبالغ بها من الفلسطينيين. والخوف هنا مرتبط بطبيعة الصراع على الارض، وطبيعة التكاثر الفلسطيني وعدم قناعة الاسرائيليين بأن الفلسطينيين حتى من خلال السلام سوف ينسون يافا وحيفا واللد والرملة وعكا وبقية فلسطين. واخيرا الذي ميز الجنوب اللبناني عن الضفة الغربية وغزة هو خوف اسرائيل من ان تهزم على يد الفلسطينيين بعد ان هزمت على يد اللبنانيين، مما قد يفسر عربيا بأن الدولة العبرية على وشك التآكل والسقوط. قريبا ستقع انتخابات اسرائيلية. وقد يكون من المبرر عربيا وفلسطينيا البحث في طرق تساعد على دفع التناقضات والخلافات الاسرائيلية حول السلام إلى السطح مرة ثانية، لنتذكر ان الحكومة الاسرائيلية الراهنة استقالت اثر خلاف على ميزانية الاستيطان. هذه الخلافات كانت عميقة وجدية في السابق، وهي اختفت في سنوات الانتفاضة الاخيرة. ان استمرار العمليات الانتحارية سوف يقوي اليمين وسوف يأتي بطبيعة الحال للبرلمان والحكومة الاسرائيلية بعتاة المتشددين. ولكن اعلان هدنة مقبولة ومشروطة تساهم في حكومة يمينية بالمطلق سوف تدمر آخر ما تبقى من السلام بين الطرفين. وسوف تسعى إلى منع قيام دولة فلسطينية وإلى مزيد من الاستيطان ومزيد من مصادرة الاراضي دون وجود قوة عربية او اقليمية قادرة على ايقاف هذا التدهور في الحقوق العربية في فلسطين. لهذا من واجب العرب والمسلمين ومن واجب كل من يؤمن بحقوق الشعب الفلسطيني في ظل الضعف العربي الراهن ان يدفع باتجاه مبادرات سلام جادة عربية وفلسطينية ودولية تخفف من الغلواء في الساحة الاسرائيلية وتعيد الثقة إلى آفاق السلام. ورغم صعوبة الموقف فإن محاولة السعي بهذا الاتجاه في ظل فقدان جميع الوسائل العربية الاخرى تبقى اضعف الايمان وافضل ما يستطيع العرب القيام به. ان الانتخابات الاسرائيلية فرصة علينا العمل على تعميقها، وهي لن تأتي بالنتائج التي نتوخاها، ولكن بالامكان تخفيف آثارها السلبية على القضية الفلسطينية وربما المساهمة في ايقاظ وتقوية اتجاهات السلام الاسرائيلية التي تعاني الآن من عزله خانقة يفرضها عليها اليمين. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت