الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 عندما انهار حائط برلين وبدأت بوادر تحلل الاتحاد السوفييتي، هناك من كتب من منظري الاقتصاد والسياسة مؤكداً أن عهدا من الرخاء قادم، وان عهدا من السلام سيحل على العالم اجمع، لان انهيار القطب المنافس سيجعل من السهل التوصل إلى اتفاقيات للنزع الكامل للسلاح، وبالتالي وقف التسابق عليه، وتوجيه الأبحاث والأموال المخصصة لإنتاج أسلحة فتاكة جديدة لتكون في خدمة الأبحاث السلمية ومخترعات مدنية تجعل حياة الناس ايسر واجمل، وتقضي على الأوبئة والأمراض المستعصية. فيما بشرَ آخرون بنظام عالمي جديد في ظل قيادة جماعية، أو شبه جماعية، وان كانت معقودة للغرب المتقدم، أي الغرب الرأسمالي، وان هذا سيكون افضل لشعوب العالم الأخرى التي تقع خارج النطاق الجغرافي الذي تتركز فيه تلك القيادة الجماعية، لأن الاتفاق في تلك المنطقة، أي في الغرب الأوروبي والاميركي، حول المبادئ الإنسانية الكبرى قائم، ومن هنا حدث السباق المحموم من جانب دول الكتلة الشرقية السابقة باتجاه الانضمام أو السكن على هامش الاتحاد الأوروبي باعتباره جزءا من تلك القيادة الجماعية الجديدة، ومن جاور المركز القيادي من المؤكد سيتمتع ببعض حسناته. وهناك من بشروا دول العالم الثالث بنهاية معاناتها التي كانت تعانيها في ظل الولاء لأي من القطبين في السابق، لأن معظم الصراعات التي كانت تجري في السابق على أرضهم لم تكن سوى تلبية للولاء لهذا القطب أو ذاك. خلف السراب بل هناك من رأوا أن الفرصة سانحة الآن لتسوية الخلافات الحدودية بين الدول المتخلفة في ظل رقابة القيادة الجماعية للعالم، أو حتى في ظل هيمنة دولة عظمى وحيدة، لان الصراعات والخلافات القديمة كانت تستمر لسنوات طويلة، ليس بسبب عدم رغبة طرفي الصراع في التوصل إلى حل، ولكن بسبب دفع كل قطب من القطبين المسيطرين على العالم لطرف من الأطراف نحو إطالة الصراع من خلال التمويل والتسليح، والدعم السياسي والإعلامي والاقتصادي في المحافل الدولية، أي أن الصراعات التي جرت خلال القرن العشرين، وبشكل خاص في النصف الثاني منه، لم تكن في الحقيقة سوى صراع بين القطبين المهيمنين على ارض الغير. بل قالوا أن الفرصة سانحة أيضا لنشر مبادئ النظام الديمقراطي الذي حاول البعض أن يصوره لنا على انه المنتصر الوحيد في «معركة» حائط برلين، وانه لولا فضائل هذا النظام على الغرب ما كان له أن يحقق الانتصار على «الشمولية» التي كانت مسيطرة على شعوب الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه، أو حتى تلك التي كانت تحاول التقرب إليه هربا من جشع الاستعمار القديم، فكانت كمن يهرب من الرمضاء إلى النار،كما يقول المثل العربي القديم. لكن لا هذا حدث ولا ذاك، ولم يتحقق من تلك التنبؤات سوى أن النظام العالمي الجديد قائم في ظل هيمنة قطبية واحدة، وهي الهيمنة الاميركية، وإن أثبتت الأحداث التي جرت خلال العام الأخير أنها أسوأ من العيش في ظل توازن الرعب النووي الذي كان قائما عندما كان الاتحاد السوفييتي يحاول وحده التعامل مع الولايات المتحدة وشركائها على أن العداء لا مفر منه، وأن سباق التسلح هو السبيل الوحيد لحفظ السلام في العالم، خاصة بعد أن تبين أن الاتحاد الأوروبي لا يمثل قوة حقيقية على ارض الواقع السياسي الدولي، وليس سوى تابع للولايات المتحدة، وان كل قرارات العالم السياسية والعسكرية والاقتصادية يجب أن توافق عليها واشنطن أولا قبل أن يتم إقرارها في أي دولة، أو تطبيقها لحل أي مشاكل تتفجر في أي مكان، حتى على ارض القارة الأوروبية نفسها، والحرب اليوغسلافية شاهد على هذا، فلولا التدخل الاميركي المباشر ما انتهت الأمور هناك إلى ما انتهت إليه، إلى درجة أن هناك من يؤكد، وتؤكد الشواهد جميعا على صحة ذلك، انه لولا التدخل العسكري الاميركي المباشر ضد ميلوزيفيتش لإسقاطه لظلت هذه الحرب مستمرة حتى الآن، على طريقة الحروب الأوربية القديمة: حرب الثلاثين عاما، وحرب المائة عام. فجيعة عالمية المؤسف أيضا أن القطب المهيمن على ما يسمونه بالنظام العالمي لا يبدو أنه يشبع من الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية إلى حد معقول، بل يريد كل شئ ولا يريد أن يترك شيئا للآخرين ولو لمجرد ذر الرماد في العيون، ووصل جشع المحيطين بالبيت الأبيض وصناع سياسته الخارجية إلى حد ارتكاب فظائع تعتبر في أدنى درجاتها «جرائم ضد الإنسانية» بكل ما تعنيه تلك الكلمة، وأنا هنا لا أتحدث عن الأطفال العراقيين الذين يموتون جوعا أو بسبب نقص الأدوية حتى لا يقولوا أنني مؤيد لصدام حسين، ولا أتحدث عن الفلسطينيين الذين يسقطون كل يوم ضحايا لآلة الحرب الإسرائيلية، الاميركية الصنع، حتى لا يقول أحد أنني منحاز لكوني عربي، أو أتجاوز بذكر قضية معقدة وحلها ليس سهلا، بل أتحدث عن جرائم لا مبرر لارتكابها على الإطلاق من هنا تأتي بشاعتها كما يحدث في مناطق كثيرة من العالم ومنها أميركا اللاتينية، وبالتحديد في الأرجنتين، مخزن غلال العالم القديم واحتياطي لحومه في الحاضر والمستقبل، ومع ذلك يموت أطفالها جوعا بسبب تعنت الولايات المتحدة ورفضها المساعدة في حل الأزمة الاقتصادية هناك، من خلال ضغوطها على صندوق النقد الدولي حتى لا يقدم دعما ماليا عاجلا يخفف من تلك الأزمة. فقد «فجع» العالم الغربي قبل أيام بنبأ تناقلته وكالات الأنباء العالمية حول وفاة أربعة أطفال جوعا في الأرجنتين، وكأن الحدث لم يكن متوقعا كما يستشف من خلال اللغة التي تناقلت بها وكالات الأنباء «الغربية» الخبر، وكذلك التعليقات الصادرة عن بعض الحكومات المتحضرة، أو تلك التي ترفع راية التحضر في عالمنا المعاصر، وبشكل خاص من عاصمة الإمبراطورية المعاصرة واشنطن، على الرغم من أن تقريرا للمنظمة غير الحكومية أطباء بلا حدود تم إعلانه قبل شهر في مؤتمر صحفي بالعاصمة الإسبانية مدريد، أشار إلى أن مئة طفل وصبي أرجنتيني يموتون يوميا منذ أن اندلعت الأزمة الاقتصادية الحالية قبل عام، وان الجوع وسوء التغذية هما السبب الرئيسي في هذه الفاجعة اليومية التي تحدث في الأرض التي كانت يوما مخزن غلال العالم (؟!). غريب أن يموت أحد في بلد عدد أبقاره الحلوب يفوق عدد سكانه من البشر، بل وأن هذا البلد على الرغم من أزمته الاقتصادية يصدر الغذاء إلى غيره من دول العالم، وكل الأرقام والإحصائيات الواقعية تؤكد ذلك، فالأرجنتين، حسب تقارير التجارة الدولية: تحتل المركز الأول في تصدير زيوت الطعام في العالم، والمركز الثالث في تصدير الغلال، وكذلك تحتل المركز الرابع في تصدير اللحوم. ثم أن النبأ أشار إلى أن الأطفال الذين ماتوا جوعا لم يدخلوا أي مستشفى، ولا حصلوا حتى على الإسعافات الأولية التي كان من الممكن أن تبذل جهدا لإنقاذهم، والسبب بالطبع ليس رفض أقارب الأطفال الموتى لتلقيهم العلاج، لكن السبب هو انهيار النظام الصحي العام الذي كان يعتبر ثاني افضل نظام صحي في أميركا اللاتينية كلها. لو تساءلنا عن السبب في هذا الوضع المأساوي في دولة كانت حتى وقت قريب ملجأ من لا ملجأ له من جوعى العالم، ومستقبلها كان مبشرا باستقبال عدد من البشر يساوي عدد سكانها البالغ عددهم حاليا 37 مليون نسمة، فان الإجابة ستشير إلى واشنطن بشكل مباشر، ومسئوليها مسئولية مادية ومعنوية مباشرة عن ما يحدث هناك، بالطبع بالإضافة إلى مسئولية شركائها من السياسيين المحليين في الأرجنتين الذين اتخذوا من النظام المالي والنقدي الاميركي نموذجا لبناء اقتصاد بلادهم، واتبعوا الأساليب نفسها التي تتبعها الشركات الاميركية في الحصول على الصفقات الكبرى، فانتشر الفساد وعم حتى أن رئيس البلاد السابق كارلوس منعم يخضع لتحقيقات حول إثرائه غير المشروع خلال السنوات العشر التي تولى فيها المسئولية، والتي يؤكد المحللون أنها كانت سنوات وضع بذرة الانهيار الاقتصادي بدعم اميركي مباشر، والشكوك في أصل ثروته التي توجد أدلة مادية ووثائق على أن أصلها موجود في صفقات مريبة لبيع السلاح لدول ممنوع التعامل معها دوليا في هذا المجال، ولكنه خرق القرارات الدولية لإرضاء مخططي السياسية الخارجية في البيت الأبيض، الذين استخدموه في تموين أحد أطراف الصراع في يوغسلافيا السابقة، حتى تصل الأمور إلى حد الانهيار، فيتدخلوا باعتبارهم المنقذ لأوروبا من الدمار للمرة الثانية في القرن العشرين. نهج الإفلاس في النهاية، كانت النتيجة أن رأس المال الاميركي ورؤوس الأموال الغربية التابعة تسللت إلى الاقتصاد الأرجنتيني في هجمة شرسة على قطاعها العام والحكومي، بادعاء إصلاح هذا الاقتصاد وإعداده لمواجهة تحديات العولمة التي ترفع رايتها الولايات المتحدة منذ أن انهار جدار برلين، وبعد أن دانت لها السلطة في جميع أركان الأرض. من ناحية أحكمت الشركات الاميركية والغربية سيطرتها على القطاع الخاص الأرجنتيني، ودمرت البنية التحتية التي كان يشكل أساسها القطاع العام التابع للدولة، ومن ناحية أخرى تولى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الخاضعان بشكل مباشر لنفوذ واشنطن، الإجهاز على الجهاز السياسي والاقتصادي للبلاد من خلال إفساد الطبقة السياسية الحاكمة بجميع ألوانها وتوجهاتها، ولم يفلت منها لا اليمين ولا اليسار، حتى زعماء النقابات العمالية حلموا بتحقيق أرباح على حساب وطنهم، وغرقوا مع السياسيين في بحر الفساد العام على حساب فقر الشعب والوطن. النتيجة النهائية والطبيعة أن سلمت الطبقة السياسية النظام النقدي الأرجنتيني لصندوق النقد ليفعل به ما يريد، دون ضوابط سوى ضوابطه الخاصة المكتوبة في واشنطن، ليتم تطبيقها على بعد آلاف الأميال إلى الجنوب دون مراعاة للظروف المختلفة التي تعيش في ظلها دولة الأرجنتين، وكان السياسيون الأرجنتينيون متفائلون بدعم واشنطن لهم للخروج من الأزمة الاقتصادية قبل أن تستفحل، أو هكذا خيل لهم، أو هكذا أوهمتهم تصريحات سكان البيت الأبيض باعتبارهم يملكون توجيه صندوق النقد الدولي ليقدم العون المطلوب بشكل عاجل، ولكن ما حدث على ارض الواقع كان مختلفا. وحتى تزداد الأزمة حدة قرر صندوق النقد الدولي تأخير الاتفاقات وكثيرا ما كان ينقض في الصباح ما يتم الاتفاق عليه ليلا، والنتيجة مزيد من الانهيار للعملة الوطنية، ومزيد من الضغوط المادية على الشعب الأرجنتيني حتى تحولت الطبقة المتوسطة إلى طبقة معوزة، بعد أن فقدت مدخراتها التي سرقتها البنوك الأجنبية في شكل دولارات ثم سرعان ما ردتها في شكل عملة ورقية وطنية لا قيمة لها في أسواق التعامل. كل هذا أدى إلى أن يتحول الشعب الأرجنتيني إلى شعب من المعوزين في بلد غني بثرواته الطبيعية التي لا يملك التحكم فيها، أو تخضع مباشرة للشركات الأجنبية التي تحصل على هذه الثروات وتصدرها للخارج محققة مكاسب لا تعود على البلاد، فيما يرفض صندوق النقد الدولي تقديم العون لإنقاذ البلاد من الإفلاس الكامل. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا