الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 كنت أقلب صفحات مفكرة خاصة بالمناسبات القومية، فتوقفت عند صفحة اليوم السادس والعشرين من نوفمبر، ففي مثله من عام 1947، انشيء في بغداد المجمع العلمي العراقي «مجمع اللغة العربية» ليكون ثالث المجامع اللغوية في الوطن العربي، بعد المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1921، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1934. توقفت، مغمورا بفيض من الخواطر راحت تتداعى امام اسم بغداد، فهو اسم لا يغيب ـ هذه الايام ـ عن خاطر عربي، لما يحدق بها، ويدبر لها بليل ونهار، ويحتشد حولها من قوى العدوان والتدمير. تداعت مع ذكرى المجمع العلمي العراقي، صور بغداد ودورها في ازدهار اللغة والثقافة العربية على امتداد مسيرة ركب الحضارة العربية الاسلامية.. فبغداد ـ منذ اسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، قبل الف ومئتين واربعين سنة ـ كانت مرآة لمسيرة الحضارة الاسلامية، سواء في مدها وزهوها، أو في انحسارها وغياب شمسها. في ايام هارون الرشيد ثم ابنه المأمون، كانت حاضرة العلوم والآداب والفنون، وتجلى ذلك في «بيت الحكمة»، حصن المعارف والعلوم والعلماء، ولكن بعد نحو اربعة قرون كانت مأساتها الكبرى ونكبتها بغزو التتار بقيادة هولاكو سنة 1258، ثم اعقبتها غزوة تيمور لنك سنة 1393، حيث ذبح الآلاف من ابنائها، وهدمت مساجدها ومدارسها ومساكنها، وأحرقت كنوزها الثمينة من الكتب. وفي العصر الحديث، وعلى الرغم من ركام رواسب الحكم التركي المستبد، وحكم الانتداب البريطاني الغاشم، بزغت ارادة النهضة الوطنية والقومية، وكان من أهم مظاهرها ووسائلها لاعادة بناء الحياة، انشاء مجمع علمي، يعيد الى اللسان العراقي عروبته الصافية، والى الثقافة العراقية ملامحها الاصيلة الناضرة، وينفخ فيها روح النهضة وحيوية التقدم. بدأت محاولات انشاء مجمع لغوي، مع بداية العهد العربي، بإنشاء «لجنة الترجمة والتعريب» سنة 1921، ولم يعين رئيس لها، واختير نائباً للرئيس العالم الشاعر معروف الرصافي. كانت مهمة هذه اللجنة «تعريب الكلمات الافرنجية ووضع اسماء المسميات الاجنبية التي ليس لها اسم في العربية» وعقدت اللجنة اجتماعها التمهيدي، ثم لم يقدر لها اجتماع آخر، وطويت صفحتها. وفي سنة 1925 تكررت المحاولة وظهر ما عرف باسم «المجمع العلمي اللغوي» وضم صفوة رجال اللغة والادب والعلم في العراق، وفي مقدمتهم شاعرا العراق الكبيران: جميل الزهاوي، ومعروف الرصافي، وتوالت اجتماعات ذلك المجمع ووضع بالفعل طائفة من المصطلحات في علمي الرياضة والطبيعة، ثم توقفت سنة 1927، لان وزارة المعارف ـ لاسامحها الله ـ قررت ان يكون عمل المجمع بلا أي مقابل مادي. وفي سنة 1947، توجت الجهود بانشاء «المجمع العلمي العراقي» ببغداد، وكان هدفه ـ كما جاء في المادة الثانية من نظامه ـ أنه «يقوم بالعناية بسلامة اللغة والعمل على جعلها وافية بمطالب العلوم والفنون وشئون الحياة الحاضرة». وفي هذا المجال كان من أهم انجازاته مجموعة «المصطلحات العلمية» في مجالات: صناعة النفط، والقانون، والالكترونيات، والفضاء والتربة، والتربية البدنية، والسكك الحديدية، وأجهزة الاحتراق الداخلي. والى جانب هذا الهدف الاساسي، عني المجمع بالبحث في الأدب العراقي والعربي بعامة، والتاريخ، وعلاقات الشعوب الاسلامية، وحفظ المخطوطات وتحقيقها، وتشجيع الترجمة والتأليف. كان خلية نحل في نشاطه، وجذبت محاضراته العامة قلوب مثقفي العراق، فصار اهم حصون الثقافة والحركة الوطنية ايضا. وتابعت الاوساط الثقافية في البلاد العربية نشاطه عن طريق مجلته السنوية، وعن طريق مشاركة اعلامه في اعمال المجامع العربية الاخرى، وبخاصة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي حرص منذ تأسيسه على ان يضم بين اعضائه علماء من مختلف البلاد العربية، فكان من أعضائه المؤسسين العشرين سنة 1934 العالم اللغوي العراقي الكبير انستاس ماري الكرملي، وقد خلفه من اعضاء المجمع العلمي العراقي ورؤسائه الشاعر الكبير محمد رضا الشبيبي، والشاعر العالم محمد بهجة الاثرى، والشاعر الأديب عبدالرزاق محيي الدين، وغيرهم من أعلام الأدب واللغة. والآن.. نكب الزمن العربي الرديء «المجمع العلمي العراقي» بنكبة العراق.. لكن بغداد تعرف دائما، كيف تقوم من النكبات، وكيف تتنصر فيها ارادة الحياة؟