الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 من صفحات التاريخ العربي المدوّن نقرأ هذه الحكاية: «دخل الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في حوار فلسفي مع محمد بن القاسم في مسألة من المسائل التي شاع حولها الجدل في تلك الفترة، فأخذ ابن القاسم يخضع في الكلام للمأمون ويوافقه ويتنازل له، فقال له المأمون: يا محمد أراك تنقاد الى ما أقوله قبل وجوب الحجة لك عليّ، وقد ساءني ذلك منك، ولو شئت ان أفسر الأمور بعزة الجلالة وهيبة الرياسة لفعلت، ولكنني لا أقنع إلا باقامة الحجة، وعندي أن أنقص الملوك عقلاً، وأسخفهم رأياً من رضي بقولهم: صدق الملك أو صدقت يا مولاي»! لقد وصف المأمون في كتب التاريخ بأنه كان صاحب عقل وحكمة وثقافة، وقد كان رده على ابن القاسم كما جاء في الحكاية نابعاً من قوة الموقف أولاً باعتباره الخليفة وصاحب السلطان، ومن قوة المنطق والصواب ثانياً، أما ابن القاسم فلم يفعل سوى ما يفعله كل من يقف بين يدي أصحاب النفوذ والملك والسلطان وحتى أصحاب المراكز الصغيرة، على امتداد التاريخ والجغرافيا العربية الاسلامية، إلا في حالات نادرة، ذلك ان تملق السلطان سمة عامة أصلت لبلاءات ومفاسد لا تعد ولا تحصى، وألبست أثواباً أخرى وأعطيت مسميات غاية في التعقل مثل «التأدب» و«اللباقة» و«المديح» مع ان كل هذه السلوكيات إذا ما تعارضت مع روح الحقيقة، وتمت وفق حسابات المصلحة والمنفعة والخوف، لم تخرج عن كونها نفاقاً لا يزيد ولا ينقص! في تاريخنا العربي كثر الشعراء والمداحون، وزادت قصائد المديح على كل ألوان الشعر وأغراضه، حتى تغلب على أحد أكثر مجالات الشعر رقة وجمالاً وقرباً إلى قلوب العرب، ونعني به شعر الغزل والوصف، لقد تبارى الشعراء ـ صغارهم وكبارهم ـ في التسكع أمام أبواب الخلفاء والأمراء والسلاطين، وارتفع بالمديح شأن أراذل الشخصيات، وانحط شأن العلماء والاتقياء ولم يعد هناك مجال للالتفات الى العلوم والمخترعات والاكتشافات وأصحابها، هكذا آل أمر العرب في عصور انحطاطهم عندما صار هم الحكام والخلفاء والأمراء تقريب الشعراء ليرفعوا ذكرهم ويبنوا لهم أمجاداً من سراب ببضعة أكياس ملأى بالذهب والفضة، وهكذا سقط أبو الطيب المتنبي في شراك كافور الاخشيدي، كما سقط العلامة الكبير عبدالرحمن بن خلدون في فخ البحث عن المجد والسلطان بانضمامه الى بطانة تيمورلنك المغولي صاحب المآسي والجرائم التي لا تنسى في التاريخ الاسلامي. وبينما كان أمراء الدولة الاسلامية العربية يسكبون الأموال بين أيدي الشعراء استجداء لبيت شعر كان القرن الثالث عشر الميلادي يشرق على أوروبا وتحت سمائه وشمسه أسر ارستقراطية فاحشة الغنى والنفوذ كانت تقرب اليها العلماء والفنانين والنحاتين والمخترعين، وكانت بوعي كامل تعيد انتاج الحضارة الانسانية بهؤلاء العلماء والفنانين وتؤرخ لعصر جديد في حياة القارة الاوروبية العجوز سيدونه التاريخ وتتحدث عنه الكتب فيما بعد على انه عصر النهضة الاوروبية الذي اختطته وأسست له زعامات أسر قوية وأمراء أقرب للطغيان في مدن ايطاليا وألمانيا وغيرهما من دول أوروبا. ومنذ القرن الثالث عشر ـ عصر النهضة الاوروبية ـ والغرب ينفق بسخاء على حقول العلم والعلماء والمخترعين والأبحاث، وبهذا الانفاق تفجرت ثورة البخار وسكك الحديد وعلوم الفضاء والاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا، بينما لانزال نحن نغط في أوهام يصنعها الشعراء، ونافسهم فيها بشكل مثير مؤلفو ومخرجو المسلسلات التاريخية التي بقدر ما تثير النخوة والحماسة إذ تذكرنا بأمجادنا، فإنها تفعل فعل المخدر تماماً!