الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 لا أدعي أنني أستطيع أن أتحدث حديث خبير في علم النفس، لكنني أستطيع أن أقول أنني متابع لم يعثر حتى الآن على دراسة عن سيكولوجية الوريث. وهو موضوع في رأيي شديد الثراء. فها هو إنسان لم يفعل شيئا يجد أمامه ثروة أصبحت من حقه لأن أباه أو أمه أو أحد أقاربه مات. وقد تكون الثروة مالاً أو عقارا أو سمعة أو مجدا. انه شيء لم يتعب في جمعه، وقد لا يكون مهتما به. وأذكر حديثا «ولي» الله الذي لم يكن كذلك عندما عرفناه. كان كاتب قصة في الستينيات، وكان يزاحمنا في المقاهي التي كانت تحفل بالأدباء الشبان وكان يقرأ لنا قصصه ويقول رأيه في قصصنا وتوفي والده فإذا بنا نكتشف أن والده كان شيخ طريقة وأنه الآن في مفترق الطرق اما أن يختار حياة الصعاليك التي كنا نعيشها ويعمل على الأكثر موظفا براتب لا يصل إلى عشرين جنيها، أو يقبل وراثة الطريقة فيصبح الآمر الناهي في الملايين، ويجد يده الكريمة يقبلها آلاف المريدين. وناقشنا معه الاختيار أسابيع طويلة، واختار في النهاية طريق الثراء.. ولامه الجميع مع أن معظمهم شجعه على اختيار هذا الطريق! وذات يوم حضرت حالة وفاة انقلبت إلى مشهد كوميدي خاصة بالنسبة لي. كنت قريبا جدا من الحادث، وهذه من المرات النادرة، فأنا لم أكن قريبا من هذه الحالات إلا نادرا. المهم توفي الرجل وبكيناه جميعا، وبعد دفن الرجل بساعة ونحن نرتاح ونشرب الشاي ونجفف دموعنا، قالت ابنة الرجل متأثرة لزوجة أبيها انها قررت التنازل عن الميراث لها، فلقد شاركت الزوجة في صناعة هذه الثروة وجففت الأرملة دموعها بسرعة وقالت لابنة زوجها : ماذا تقولين ؟ ما لك أنت والميراث؟ ان معظمه مشاريع لا تعرفين شيئا عنها. أنا الذي كنت معه يدا بيد. في البداية فكرنا سويا، وخططنا سويا. وكنا نعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم. ثم قررنا أن نزيد العمل، فكنت أعمل أربع عشرة ساعة وهو مثلها. ولكن أنا ـ معه ـ الوحيدة التي تعرف كل التفاصيل وكل المأزق. وأنا ـ معه ـ التي بنيت هذا البنيان الكبير. ولم تكن الابنة أقل قوة من الأرملة لكنها نظرت صامتة، فتدخل أحد واعترض قائلا : ماذا تناقشون. هذه أمور شرعية لا دخل لأحد في تحديدها. وربما كانت الساعة تدق مرور ساعتين على دفن المرحوم عندما قالت شقيقته : طبعا هذه أمور معروفة. وكما للست زوجته وللست ابنته نصيبهما لنا نحن أيضا حقوق، فالمرحوم لم ينجب أولاداً. تأثرت احداهن ـ وهي أيضا شقيقة للمرحوم ـ وقالت باكية : نحن لا نريد شيئا! واعترض الأخوة على « نحن » واضطرت أن تقول الأخت الباكية انها تفرض نفسها ولامتها الأخت الأخرى قائلة انها بهذا تتنازل عن حقها والأسوأ أنها تتناول عن حق أولادها. وانفجرت الأرملة متهمة الجميع بالجشع فها هي ابنته لم تكن على علاقة طيبة مع أبيها. وتزوجت من غير رضاه تزعم أنها لابد أن تقتسم الثروة معها. وها هو احدهم يزيد النار لهيبا فيقول ان نصيب الابنة أكبر من نصيب الزوجة. وتفجر الأرملة المفاجأة : لقد باع لها الزوج ما يمتلك في حياته! وباختصار أمسكت الابنة بشعر الأرملة وصرخ الأخوة والاخوات إلا واحدة أخذت تهدئهم خوفا من الفضيحة. وقبل أن تدق الساعة معلنة مرور أربع ساعات على دفن المرحوم كانت الابنة في طريقها إلى المحامي والزوجة تسافر لتجمع المستندات التي تثبت ملكيتها، وكان الاخوة في حوار قانوني ساخن حول الميراث وقلت بصوت يخفي السخرية : الله يرحمه. كان رجلا طيبا! صمتوا، ونظروا إلي، يبدو أنهم اكتشفوا أن شخصا قد مات، وأن هذا الشخص قريبهم، وأنهم كانوا يحبونه، وأنهم أبدا لم يفكروا في ماله حتى سويعات. هل من الممكن أن يدخل المال هذا كله في الإنسان ؟ ولا يزيد من حجم الأسى في السؤال أن يكثر المال أو يقل. وأذكر منذ سنوات أن كاتبا توفي بغتة وفاجأنا الخبر، فتجمعنا مجموعة من الكتاب وتحدثنا عما حدث ثم قررنا أن نذهب إلى بيت الكاتب لنعزي فيه. وفعلا ذهبنا أكثر من عشرة من الكتاب والكاتبات وقضينا ساعات في البيت مع زوجته وأولاده. وعرفنا عنهم أنه انتهى من بعض الاعمال أو أوشك على الانتهاء منها. وعرضنا عليهم أن « نسوق » الاعمال الجاهزة وأن ندير الأعمال التي لم تنته. وكان هدفنا من ذلك كما هو واضح هو تكريم الكاتب الراحل ومساعدة أسرته بما يدخل لها من أجر هذه الاعمال واختارتني المجموعة لأداء هذه المهمة.وقبلت ذلك بصدر رحب. وفوجئت أن ما قدموه إلي بعد شهور مجرد خواطر في سطور لا تفيد ولا تنفع في شيء. وأدركت أن الكاتب لم يترك شيئا وبالتالي فإن مهمتي قد انتهت. وبعد فترة اتصل بي الابن الاكبر للأسرة وطلب مقابلتي لسبب حدده ولم يكن هناك داع لابتكار هذا السبب الذي لم يكن صحيحا. وجلس الشاب فترة طويلة قبل أن يقدم لي ملفا قائلا ان هذه إحدى محاولاته في الكتابة وأنه يرجوني أن اقرأها فإذا كانت جيدة فهو يرجوني بحق حبي للمرحوم أن أسعى لنشرها. وقرأت العمل ووجدته جميلا وفي مستوى جيد، فاتصلت بمخرج كان على علاقة صداقة بالكاتب وقلت له انني اكتشفت كاتبا جديدا بارعا هو بالمصادفة ابن للكاتب الراحل. وأخذ الرجل النص مني مندهشا كيف يخرج من الابن عمل جيد ووعدني بقراءته في أسرع وقت. لكنه قلب الأوراق ونحن جالسان واصفر وجهه وقال : ـ لكننا قدمنا هذا العمل من قبل. وكان من تأليف الراحل طبعا. وأنا الذي أخرجته. واجهت الشاب بما حدث، لم يضطرب، قال لي بصوت هاديء : ـ عمي أنا أريد أن أكون رجلا عظيما مثل أبي. ولا أعرف كيف أكون هذا الرجل العظيم. لذلك أطلب منك مساعدتي في الوصول إلى حلمي! وأدعك تستنتج ما قلته له. لكنني أخذت أفكر في الوراثة وكيف أن هذا الشاب أراد وراثة مكانة أبيه التي صنعها بجهد سنوات طويلة، وقراءة واسعة وزمن تفهمه وأراد أن يعبر عنه. اختصر ذلك الشاب كله في « كبسولة » أراد ابتلاعها في الصباح ليكون عظيما في المساء. وأطرح على الدكتور عادل صادق فهو أكثر أساتذة علم النفس اهتماما بالفنون هذا السؤال : هل يكره الورثة الذين يفتقدون موهبة أسلافهم العباقرة؟! وهل هذه الكراهية لا تكون صريحة ولذلك تمتزج بالحب. فيأتي الوريث ليدافع عن سلفه بما يسيء إليه، ويرتاح لذلك فهو أمام الناس حقق البطولة في الدفاع عن العبقري الذي مضى، لكنه أيضا ارتاح لما فعل. وسؤال آخر : هل تفتح الوراثة شهرة الإنسان، فيبدأ بوراثة المال والمنقولات والأثاث والعقارات ثم ينتقل إلى تملك صاحب الميراث يفرض وصايته عليه ينتقي ما يظهر الناس منه وما لا يظهر. يتكلم بالنيابة عنه. يسدل الستار عليه لكي لا يتحدث عنه بما لا يحب سماعه. قرأ صديقي هذا الكلام قبل أن أرسله إلى المطبعة فقال منفعلا أنه قرر توزيع الميراث في حياته. وضحكت ساخرا وهل تملك شيئا ذا قيمة ؟ قال مساندا : ولو سأوزع كل شيء لا أريد منهم أن يلعنوني بعد موتي!