الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 هل ينظر الشماليون السودانيون ذوو الاصول العربية الى اهل الجنوب نظرة استعلائية وكأنهم، اي الجنوبيين، «عبيد»؟ والاجابة المباشرة ـ والفورية هي: نعم. غير ان هذه الظاهرة لا تنحصر في الشماليين العرب فمن بين اهل الجنوب انفسهم فان قبائل «الفرتيت» في الاستوائية هم «عبيد» في نظر قبائل «الدينكا» النيلية. وقبائل «النوير» (وهي نيلية ايضا) تعتبر جميع القبائل الجنوبية بما فيها الدينكا «عبيدا» وهذه النظرة الاستعلائية تتحكم حتى في العلاقات الشخصية بين النخب الجنوبية المثقفة. لكن في كل الاحوال ارى ان مسألة الاستعلاء هذه مردها الى اسباب حضارية اكثر منها عنصرية فالشماليون العرب ينتمون الى الثقافة الاسلامية العربية التي لا يمكن ان تقارن في تفوقها الحضاري بثقافة انسان العصر الحجري السائدة في الجنوب فالجنوبي متخلف حضاريا بالمقارنة مع الشمالي. وهذه الظاهرة ليست مقصورة على السودان ففي كل من بلدان العالم مجموعة ثقافية كبرى تنفرد بتفوق حضاري على غيرها من المجموعات الاخرى مما يؤهلها لفرض غلبتها الثقافية، فتنعكس هذه الغلبة تلقائيا على مجالات الحكم والاقتصاد والسياسة والامثلة تكاد تكون بلا حصر: قومية الانجلو ـ ساكسون في الولايات المتحدة متعددة الاجناس والقوميات.. والقومية الانجلو ـ ساكسونية ايضا في انجلترا مقابل القوميات الاسكتلندية والولش والايرلندية.. وقومية الهندوس في الهند.. وقومية «الهان» في الصين. في الولايات المتحدة لم يشغل منصب رئيس الجمهورية حتى الآن، ابتداء من جورج واشنطن وليس انتهاء بجورج بوش الابن سوى ابناء الانجلو ـ ساكسون. وفي الهند تظل الثقافة الهندوسية هي الثقافة المعتمدة قوميا.. وتظل القومية الهندوسية الدينية هي الغالبة على جهاز الحكم ومؤسساته بما في ذلك الخدمة المدنية والخدمة العسكرية. وفي الصين بقيت قومية «الهان» هي القومية الغالبة رغم انتقال البلاد من الامبراطورية الى العهد الاشتراكي فكل من الاباطرة وقادة الحزب الشيوعي وقواعده الشعبية من قومية «الهان». هذا كله ليس محاولة لتبرير ظاهرة الاستعلاء الثقافي في العالم والتاريخ وانما هو محاولة لفهمها. وتأسيسا على ذلك اتساءل: اذا كان اهل جنوب السودان يرون ان اهل الشمال يضطهدونهم ثقافيا ويتعاملون معهم انطلاقا من نظرة اجتماعية استعلائية فانني لا ارى حكمة في بقاء الجنوبيين في كيان موحد مع الشمال. انها وحدة مفتعلة بين شعبين لا تجمعهما اية رابطة عرقية او ثقافية او دينية او لغوية او تراث مشترك او حتى تاريخ مشترك. ان تغيير النظرة الاجتماعية الاستعلائية لاهل الشمال تجاه اهل الجنوب لن يتحقق بشن حرب جنوبية على الشمال ولن يتحقق باتفاقات سلام. ولنفترض ان الحرب الدائرة انتهت الى انتصار حاسم لجيش قرنق وان قواته دخلت حتى الخرطوم واقامت لنفسها سلطة مركزية تصدر ما تشاء من التشريعات والقوانين فهل تستطيع ان تنزع من قلب المواطن الشمالي رؤيته الاستعلائية؟ واتفاقات السلام يمكن ان تنبثق منها اجراءات دستورية لصالح الجنوبيين، لكن تغيير النظرة الاجتماعية على مستوى الفرد الشمالي شيء آخر تماما. هناك اذن امام شعب الجنوب خياران فقط لا ثالث لهما: الانفصال الفوري او الصبر. هذا الصبر قد يمتد الى مئة سنة او اكثر فالرؤى الاجتماعية الراسخة على تراث متجذر لا تتغير بين يوم وليلة او بين سنة واخرى انها تتغير بايقاع بطيء على تعاقب اجيال بعد اجيال. ولا ارى ان النخب الجنوبية لديها استعداد لهذا الصبر، مما يجعل خيار الانفصال هو الخيار الاوحد عبر تقرير المصير. انه خيار يضع حدا نهائيا لحالة مستعصية.. ارهقت الشعبين في الجنوب والشمال على حد سواء وهما يكابدان لمدى عقود طويلة متصلة من «وحدة» مصطنعة فرضتها عليهما قوة استعمارية اوروبية انطلاقا من اعتبار مصالحها الاستراتيجية في افريقيا ليس الا. اننى كسوداني ينتمي الى غالبية السودانيين المنتمين الى الثقافة الاسلامية العربية عشت في جنوب السودان نحو عامين وبحكم مهنتي ولاسباب اخرى عشت في بلدان عربية. والخص تجربتي في الحياة فأقول انني اشعر بالانتماء الثقافي الحضاري عندما اكون في القاهرة او دمشق او الدوحة اكثر مما استشعره في جوبا. واحسب ان الجنوبي يراوده شعور الانتماء وهو في كمبالا ونيروبي بأكثر مما يراوده في الخرطوم.