الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 من الإيجابي أن تعقد حوارات داخلية فلسطينية ـ فلسطينية بين مختلف مكونات الخارطة السياسية الفلسطينية. والأكثر إيجابية أن تتوسع دائرة الحوارات حتى تتمكن القوى الفلسطينية من مغادرة مواقع الحوارات التكتيكية الإعلامية فيما بينها، وهي الحوارات التي طالما تعودنا عليها في فترات سابقة، لصالح حوارات حقيقية منتجة يتم عبرها تحقيق نقلة نوعية حقيقية في الوضع الفلسطيني، والوصول إلى نتائج ملموسة تقوم على إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية الواحدة الموحدة، وبالتالي إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية، والارتقاء من وحدة الميدان لقوى الانتفاضة إلى وحدة قرارها السياسي التشاركي الائتلافي. ومنذ مطلع يوليو الماضي نشطت الجهود الفلسطينية من أجل إنجاز مسودة مشروع «البرنامج الوطني» بين مختلف القوى والفصائل الـ 13 المشكلة للقيادة الوطنية والإسلامية للانتفاضة، وعلى الأخص القوى الأساسية الخمسة (حركة فتح، حركة حماس، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، حركة الجهاد الإسلامي) ذات الدور والحضور، وهي القوى التي تمارس كل أشكال العمل الوطني في صفوف الانتفاضة بما في ذلك العمل المقاوم عبر أجنحتها العسكرية الفدائية. وفي هذا السياق أنجزت لجنة الصياغة المؤلفة من الفصائل الخمسة الأساسية، بتكليف من لجنة المتابعة العليا التي تضم القوى الـ 13، الوثيقة المعنونة باسم «مشروع البرنامج الوطني»عبر ثلاثة محطات عمل عقدتها في قطاع غزة بالتواريخ التالية : 13/7/2002، وفي 23/7/2002، وفي 8/8/2002. ومن خلال هذه المحطات العملية المثمرة صاغت اللجنة إياها النقاط الأساسية لمشروع البرنامج وفق ثلاثة عناوين رئيسية تمحورت حول المهام المرحلية المباشرة الموضوعة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية. إلا أن عملية التوقيع على وثيقة المشروع اصطدمت أمام هروب البعض أولاً، وتفلت آخرين، فانهارت الورقة وعاد الجميع إلى نقطة الصفر. وعملياً فان السلوك الذي مارسه البعض جاء على الأغلب لنسف المشروع برمته وتعطيله بالكامل على خلفية أيديولوجية أولاً، وهي خلفية لا تنفع في الحراك السياسي القائم واستيعاب وخدمة البرنامج الواقعي الممكن في ظل المعطيات القائمة على الأرض. وعلى خلفية تنظيمية ضيقة تقع في خانة التنافس الفصائلي ثانياً، مع إعادة إنتاج المفاهيم الخاطئة للوحدة الوطنية على قاعدة «حواء الجميع» ووضعهم تحت طربوش اللون الواحد باعتبار أن الوحدة الوطنية تقوم على قاعدة «السمك الكبير يأكل السمك الأصغر منه». وأقول بشفافية أوسع، إن حوارات القاهرة الأخيرة لم تأتي في السياق المطلوب، فالحوار تم لأغراض وعناوين محددة باتت معروفة لمتابعي الشأن الفلسطيني، وبالتالي فان البيان الذي نجم عن الحوار إياه تحدث بالعموميات ولم يلامس اللغة البرنامجية التي تدفع نحو دروب الوحدة الوطنية الحقيقية، وعليه غابت منظمة التحرير عن الحوار بكل ماتعنيه من تمثيل سياسي واعتباري ومعنوي وتوحيدي للشعب الفلسطيني، وحل بدلاً عنها لغة الاقتسام والتقاسم بين طرفين في الحركة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يروق للبعض ممن يسعى لتقديم الصورة الفلسطينية بوضعها شراكة بين قطبين : قطب السلطة الرسمية من جانب، وقطب التيار الإسلامي السياسي من جانب آخر، متجاهلين اتساع الخارطة السياسية والفكرية الإيديولوجية في الساحة الفلسطينية. ومع أن بعض تصريحات قادة حماس صبت في خانة القول بأن: «حماس ترفض برنامج منظمة التحرير»، وأن حماس «ترفض الدخول إلى المنظمة » هذه التصريحات عدا كونها غير مفيدة فإنها غير دقيقة أيضاً. فحركة حماس كانت قد أعلنت أثناء أولى جلسات الحوار التي عقدتها مع حركة فتح في الخرطوم/السودان برعاية حسن الترابي، وفي القاهرة/ مصر أعوام 1992 ـ 1994 بحضور ياسر عرفات وخالد مشعل في الخرطوم،وخالد مشعل وسليم الزعنون في القاهرة، أعلنت عن استعدادها للدخول إلى عضوية المنظمة بشرط أن يتم تخصيصها بـ 40 من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني وكذا حركة فتح وترك باقي المقاعد لباقي مجموع القوى والفعاليات الفلسطينية، وبمعنى أخر اقتسام الكعكة الفلسطينية وتهميش الأخرين وتحديداً القوى التي أسهمت بإطلاق رصاصات الثورة الفلسطينية المعاصرة ومسيرة العمل الفدائي الفلسطيني المقاوم وبناء الكيانية الوطنية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من محاولات التذويب الوطني والقومي للشعب الفلسطيني منذ العام 1965. وأغلب الظن، فإن الأمر السابق المشار إليه ـ اقتسام كعكة منظمة التحرير والاستحواذ المنفرد بالقرار الفلسطيني ـ يشكل لب الموضوع في المشكلة العالقة مع حماس بالنسبة لإمكانية دخولها عضوية منظمة التحرير الفلسطينية قبل الاعتبارات السياسية أو الأيديولوجية. إن الحوار الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني ليس غاية بحد ذاته، انه الوسيلة لاشراك الجميع في البحث بقضايا المصير والمسار الفلسطيني، وطريق ناجع للوصول إلى الوحدة الوطنية الفعلية من القاعدة المقاتلة في صفوف الانتفاضة إلى موقع القرار السياسي الأول. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق