الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 مصطلح (الاحصاءات الحيوية) ينصرف في مجال السجل المدني وعلوم السكانيات (الديمغرافيا) الى الوقائع التي تلم بحياة البشر مابين المولد الى الزواج (أو الطلاق) ثم الى الانتقال الى عالم البقاء. لكن الكاتب الأميركي (بوب هربرت) عمد الى استخدام مستجد وفريد ايضا لمصطلح (الاحصاءات - الواقعات الحيوية: وهو استخدام (مستجد) لانه اقتصر على حوادث القتل - الاغتيال باستخدام الأسلحة النازية، وهو استخدام (فريد) لأن الكاتب الأميركي اقتصر في الحديث على ما يراه ومايرصده في وطنه - الولايات المتحدة الأميركية. الأسلحة. والإنسان نشر الأستاذ هربرت - في ختام اكتوبر الماضي - مقالا (نيويورك تايمز) عدد 31/10/2002 يتناول ظاهرة الانتشار المرعب وغير المسئول، لأسلحة القتل وأدوات اغتيال حياة البشر تحت سمع وبصر أجهزة السهر على الأمن وحفظ النظام وانفاذ القوانين في طول الولايات المتحدة وعرضها، وقصد الكاتب الأميركي بالذات الى التنديد بأكبر وأخطر (لوبي) في أروقة وتلافيف السياسة الداخلية بالولايات المتحدة - ذلك الذي يحمل اسم (جمعية البندقية القومية) (إن آرس أيه) وهي الرابطة التي يعدونها - يا للتناقض - احدى مؤسسات المجتمع المدني واحدى قوى الضغط على صانع القرار في واشنطن وإحدى أهم المنظمات غير الحكومية التي تضم في عضويتها أكبر مسئولي العاصمة الأميركية (فيهم من كان أو مازال من راسمي السياسات والاستراتيجيات في البيت الأبيض - بل منهم رؤساء جمهورية مثل رونالد ريجان وجورج بوش - الأب). مسلسل الارهاب الداخلي الكاتب بوب هربرت يستعرض في مقاله كيف ان قناصا أسود اشاع الرعب على مدار أسابيع ثلاثة منذ أوائل أكتوبر حيث اتهم باغتيال عشوائي لعدد من الابرياء يصل الى عشرة أفراد. في نفس الفترة من اكتوبر الماضي دخل طالب شاب الى جامعة اريزونا وقد امتشق خمسة مسدسات وكان في جعبته كمية (لا بأس بها من الذخائر الحربية) وقتل ثلاثة أساتذة جامعيين قبل ان يقتل نفسه شخصيا في نهاية المطاف. في ناشفيل - يقول الكاتب هربرت - أعلنت السلطات أنها ستوجه تهمة القتل الى ثلاثة من تجار المخدرات متهمين بقتل سبعة افراد في نيويورك نصبوا المحاكمة لرجل متهم بأنه انفذ حكم الاعدام (وليس القتل العشوائي) في خمسة أفراد باحد مطاعم سلسلة ويندي الشهيرة. كل هذا في شهر واحد هو اكتوبر الماضي وكل هذا هو الوقائع والاتهامات المعلنة لدى السلطات وعلى لسانها. وكم من الجرائم يزال في طي الاسرار والكتمان. لا عجب اذن ان يحيل الكاتب (بوب هربرت) - من باب التوثيق العلمي والاحصائي - الى أحدث تقرير اصدره مكتب التحقيقات الفيدرالي عن معدلات الجريمة السنوية، والتقرير يؤكد أن عدد الأفراد الذين كان مصيرهم القتل - الاغتيال في الولايات المتحدة في عام 2001 الماضي بلغ 15980 انسانا (بما في ذلك الضحايا الابرياء في مقتلة 11 سبتمبر الفظيعة). وإذا كانت حادثة الحادي عشر من سبتمبر قد رفعت الاحصائية المذكورة فإن الأوساط الخبيرة بهذا المجال تقف عند رقم 15 ألفا من حالات القتل بوصفها المعدل السنوي في الولايات المتحدة. مامعنى هذا كله؟ بادئ ذي بدء لابد أن نحمد للدوائر المسئولة في أميركا ميزة - بل فضيلة - الشفافية حين تذيع احصاءاتها الحيوية على رؤوس الاشهاد وحين تتيح هذه الجداول والأرقام الموثقة رسميا ومستنديا وعلميا للكاتبين والمحللين والدارسين بعيدا عن أساليب لفلفة المشاكل أو التستر عليها أو أساليب الالتفاف حول الحقيقة على طريقة الفيلم العربي الشهير: أنا لا أكذب ولكن.. اتجمل. الوطن في خطر مع ذلك فقد يتراءى للمحلل السياسي العربي ان يدخل طرفا في مثل هذه القضايا رغم كونها قضايا محلية تهم المواطن والمسئول الأميركي بالدرجة الأولى. ذلك لأن الولايات المتحدة - الحكم والميديا ولوبي المصالح وجماعات الضغط - كلهم ما برحوا يرفعون شعارهم الاثير منذ أحداث سبتمبر الماضية. هذا الشعار يقول: بأن الوطن في خطر ويقول بأن أمن الدولة في خطر ويقول بأن الأمن القومي في خطر والمشكلة ان القائلين بكل هذه النوعيات والمستويات من الاخطار لا ينظرون أساسا الى مواطئ أقدامهم والى الارضية التي يقفون عليها - حيث السلاح في يد كل من يريد وكل أدوات القتل والاغتيال مباحة وميسور أمر الحصول عليها وحيث «جمعية البندقية» اياها تقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يطالب بنزع السلاح من أيدي الناس أو على الأقل بوضع كوابح أو قيود أو حتى ضوابط على حيازة وتداول واستخدام الأسلحة النارية ولو من باب أضعف الإيمان. ان القائلين بخطر متربص داهم يتهدد الكيان القومي الأميركي لا يفتأون ينظرون عبر الحدود وعبر المحيطات واليابسة الى حيث «محور الشر» المعلن والمؤلف من الثلاثي الأشهر: العراق + ايران + كوريا الشمالية.. وربما يتسع أو يضيق المحور الشرير اياه، حذفا أحيانا وأضافة احيانا اخرى فيشمل أقطارا اخرى عربية أو غير عربية (اسلامية وغير اسلامية) وقد يشكل نظما حاكمة أو مؤسسات مدنية أو أفرادا باعيانهم.. الخ. وفي مقدمة التهم التي تساق الى محور - وربما محاور الشر هذه، تهمة حيازة - وربما استخدام أسلحة التدمير الشامل.. فإن قالوا انهم أعجز من تطوير أسلحة النشاط النووي قيل لهم: ولكن هناك أيضا الاسلحة البكتريولوجية والكيميائية وما الى ذلك بسبيل. ماذا يريد العقلاء؟ وبديهي أن ليس من عاقل في العالم من يريد لشعوب العالم - ومنها الشعب الأميركي - شرا بحالا من الأحوال. وقصارى ما يريده العقلاء ان توجه أميركا جهودها وتستثمر قدراتها وجهود نوابغها لدفع مسيرة التنمية والتعاون الدولي بوصفهما الركيزة الاساسية لسلام العالم وامن البشرية. وقصارى ما يريده العقلاء في العالم ان تبدأ أميركا بنفسها.. ان تنظر - بعين التأمل والرصد الموضوعي - لأحوال وتطورات الأمور داخل مجتمعها نفسه.. وربما تجد وقتها ان الخطر له جذوره في الداخل وان الأوفق معالجته في داخل الحدود بدلا من تجاهله والاشاحة عنه وتصوره ماثلا ومحدقا عبر البحار والمحيطات. الواقع يفوق الخيال وثمة واقعة أقرب الى القصص البوليسية تداولتها الميديا الاميركية في اوائل شهر نوفمبر الحالي وتدور حول طبيب أميركي من كاليفورنيا اسمه الدكتور (لاري فورد).. والحكاية كما رواها الكاتب الصحفي جوتوماس تلخصها السطور التالية: في يوم 28 فبراير عام 2000 تعرض رجل الاعمال باتريك ريلي لحادثة اغتيال على يد مسلح ملثم فر هاربا بيما كتبت النجاة للضحية الذي كان يدير شركة تتعامل في مسائل التكنولوجيا الاحيائية - البيو تكنولوجيا كما يسمونها ويشاركه في امتلاك المشروع صديقه المقرب الحميم الدكتور لاري فورد (بطل قصتنا). بعد 48 ساعة من محاولة الاغتيال كانت المفاجأة هي انتحار الدكتور لاري فورد شخصيا بعد ان بلغته الاخبار بأن اتهاما سيوجه اليه بأنه كان ضالعا في تدبير اغتيال الصديق وشريك تكنولوجيا الانشطة البيولوجية. كان يمكن للشرطة ودوائر التحقيق ان تغلق الملف لولا ان وصلتها معلومات ادت الى اكتشاف حقيقة اخرى الدكتور فورد - الطبيب واختصاصي الانشطة البكتريولوجية - كان يمتلك مخبأ سريا اكتشفوا داخله ترسانة حافلة بشتى أنواع الاسلحة النارية تصلح لخوض حرب صغيرة أو محدودة! بعدها بدأت خيوط تتجمع وتتشابك وتفضي الى اكتشاف ان الدكتور فورد لم يكن مجرد طبيب نساء مهتم بحماية مريضاته من الاصابة بوباء الايدز - بل الحقيقة ان الطبيب أياه كان يعيش بصورة مزدوجة حياة مختلفة تماما عن حياة الطبيب الباحث. بعد تفتيش منزله الانيق في كاليفورنيا - اكتشفوا تحت ارضية حمام السباحة(!) وفي زوايا الثلاجات «عتادا» من الذخائر الحربية والمتفجرات الرهيبة ثم - وهذا هو الأهم - قوارير وأنابيب - بالتحديد 268 زجاجة وأنبوبة تحوي تشكيلات بغير حصر من المواد الجرثومية حاملة أمراضا وأوبئة مابين الكوليرا الى السالمونيلا (عنصر التسمم الغذائي) الى التيفود الى سموم الريسين.. كل هذا جنبا الى جنب مع الملفات الطبية الخاصة بأكثر من 83 امرأة من مريضات الدكتور الأميركي (الهمام). طبيب.. وارهابي كل هذه الاكتشافات - يقول الصحفي جوتوماس - افضت الى سلسلة من التحقيقات التي تراوحت حلقاتها بين كاليفورنيا الى جنوب افريقيا(!) الى ولاية نيفادا الصحراوية في أميركا.. وكلها افضت الى حقيقة تقول ببساطة شديدة الخشونة بل والفظاظة: ان الدكتور فورد كان ينتمي الى أشد الجماعات العنصرية تطرفا (وارهابا) وان هذه الجماعات - كما يصفها الصحفي توماس - معادية للحكومة الاميركية وقد انشأت وطورت علاقات مع نظام حكم البيض العنصري في جنوب افريقيا (الابارتيد) -طبعا قبل حقبة الزعيم مانديلا - وان الطرفين المتطرفين الأميركان والعنصريين في جنوب افريقيا كانا مشتركين في مشروع خطير لتطوير الأسلحة البيولوجية والكيميائية وقد حمل المشروع اسم (عملية الساحل). بعد سقوط نظام الاربارتيد في جنوب افريقيا، اجرت هيئة «الحقيقة والمصالحة» التي قام على امرها الزعيم مانديلا تحقيقا حول (مشروع الساحل) وافاد علماء جنوب افريقيا المشاركون في المشروع بأنهم انجزوا انتاج العديد من الأسلحة البيولوجية ومنها أنواع من حلوى الشوكولاته ومن السجائر الملوثة بمادة الانثراكس (تأمل!) وأنواع من الحليب المخلوطة بجراثيم الاصابة بالتسمم الغذائي (بوتوليزم)، اضافة - ونحن ننقل بالحرف - إلى كميات من.. الكوليرا(!) تكفي لانتشار وباء يندلع على نطاق واسع. ومن عجب أن التحقيقات حول حكاية الانثراكس - رغم ما سببه من ذعر شديد في أعقاب حوادث الحادي عشر من سبتمبر، ورغم ماأحاط به من ملابسات اكتنفت أنشطة الدكتور لاري فورد - الا ان خيوط هذه التحقيقات لم توصل الى شئ بل افضت - كما يضيف الكاتب الأميركي جوتوماس - الى نهاية قارسة البرودة.. وفي هذا السياق يواصل توماس الحديث قائلا: - بعد انتحار الدكتور فورد، تلقت الشرطة اخباريات تفيد بأنه كان قد دفن مادة الانثراكس في منجم للذهب.. وقادهم البحث والتحريات الى موقع في صحراء نيفادا حيث ربطت الدكتور فورد علاقات مع أفراد كانوا يعملون في مجال الانثراكس وايضا مع جماعات معادية للحكومة الاميركية. وفي ديسمبر عام 2000 دخلت الشرطة منجما قديما مهجورا وعثرت على معدات وتوجيهات لصناعة الأسلحة الكيميائية، والبيولوجية بما في ذلك الانثراكس، وعثرت - فوق البيعة - على بطاقة الدكتور فورد شخصيا.. ولم يكن هذا كل شئ بل علمت الشرطة أن مالك هذا الموقع توفى في الآونة الأخيرة لأسباب لم يكشف عنها. على شاشة التليفزيون مثل هذه القصص تصلح لفيلم سينمائي من اخراج فنان موهوب ومثقف شريف من طراز (أوليفرستون) الذي ستدفعه موضوعيته الى ان يتحرى الوقائع ويفرز الحقائق ويتابع خيوط الأحداث - تماما مثلما فعل في أفلامه التي كشف فيها عن حقائق كانت خافية من حرب فيتنام منددا بأساليب ستر الحقيقة وتزويق الأكاذيب واستخدام البروجاندا سلاحا للتمويه على وعي الجماهير صاحبة الحق الأول في أن تعرف وتتعلم وتفيد من عبرة التجارب ودروس التاريخ. وربما تنبه القوم الى اهمية ما قد تحتويه قصة الدكتور لاري فورد من عبرة حيث كان يعيش حياة الطبيب ورب الاسرة فيما يخفي عن أعين الناس والقانون حياة ارهابي في غاية الخطورة موظفا في ذلك خبرته كطبيب وتدريبه المتقدم كعالم في خدمة أنكي واخبث أنماط دعاوى العنصرية يستوي في ذلك جنوب افريقيا (الابارتيد) أو أميركا ذاتها (الجماعات العنصرية المعادية لمؤسسات الحكم الشرعية والمعتنقة أفكارا من تراث النازية والفاشية) - نعم تنبهت أجهزة الميديا الى اهمية - وربما خطورة هذه القصة فكانت في جزء منها موضوعا في احدى حلقات برنامج (60 دقيقة) ولعله أهم مجلة اخبارية اسبوعية من حيث الانتشار والتأثير والرصانة على شاشات التليفزيون الأميركي (محطة سي. بي. إس). ولقد تقف قصة الطبيب - البيولوجي العنصري عند هذا الحد.. وقد تعاود خيوطها امتدادها كي تتشابك مع غيرها في نسيج يجمع بين الفاشية والارهاب وبين التعصب العنصري وتهديد الأمن القومي. والدرس المستفاد في كل حال هو ان خطر الارهاب لا يتجسد بالضرورة في الشعارات التي تشير دوما بأصبع اتهام عبر الحدود. قد يكون متولدا في بيئة داخلية وعلى يد عناصر محلية.. ولكنه ينتظر من يتعامل معه بمنطق التأمل والتأني والموضوعية بعيدا عن رفع الشعارات أو توزيع الاتهامات. ـ كاتب سياسي من مصر