الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 ماذا نفعل عندما تصبح بعض كلماتنا لا محل لها من الاعراب في قاموس الجيل الجديد؟ وكيف سيكون ردنا عندما نعلم ان حالنا وحالهم أمسى كحال الشاعر العربي الذي عاتب من صمت أذنيها عنه، وأبت الا ان تخالفه الدرب فقال عنها: سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب وما هو تأويلنا حين ندرك بعد فترة من الزمن ان صوتنا لا يصل اليهم، وان سردنا الطويل وحديثنا الذي رددت اصداءه الاماكن التي جمعت بين جيلين معا لم ينتج عنه ما يبشر بامكانية تحقيق مستقبل لجيل جديد استلمنا أمانة تعليمه وتدريبه وتأهيله وتزويده بمفاتيح النجاح لتكون عدته الى تحقيق مستقبله بطريقة تتحقق معها اهداف المجتمع؟! الاقرب الى الانصاف والعدل ان نبادر الى مراجعة الطرق التي نتعامل بها مع هذا الجيل وان نتهمها بأنها عقيمة وغير قادرة على بناء الانسان، ومن خلال تجربة حين كنت فيها شاهدة على تدني مخرجات التعليم، وضعف الشعور بالمسئولية الفردية تجاه التطوير الذاتي لدى فتيات اليوم اللواتي توقف طموح اغلبهن في التنمية والبناء عند نيل النجاح الدراسي السنوي، والانتقال من مرحلة الى اخرى، دون ان تشترك مع هذا الهدف تصورات اخرى، واحتياجات جوهرية تتصل بطبيعة المرحلة العمرية التي تمر بها الفتاة، وتمثل العوامل الرئيسية التي تكسب الطالبة شخصيتها وتمنحها القدرة على التعبير عن رأيها، وتعزز لديها الشعور بأنها مؤهلة للدفاع عن قناعاتها وحماية اهدافها الخاصة. ولقد ذهب بي الحديث مع مجموعة من طالبات المرحلة الثانوية الى التأكيد على دور المطالعة في صقل شخصية الطالبة وتعويدها على التفكير الايجابي وتحفيزها على الانتاج والاداء الافضل فيما يسند اليها من مهمات وواجبات. وقد كانت العيون توحي بقدر من التجاوب والاقتناع مما شجعني على المضي خطوة الى الامام حين انتقلت فجأة من الترويج والدعاية للدخول في عالم المطالعة الى الوقوف على خلفية الطالبات الثقافية ومعرفة نوعية الرصيد الذي يملكنه في هذا الجانب. وقد وجهت سؤالا استطلاعيا يهدف الى فهم الواقع الفعلي للعلاقة التي تربط بين الطالبات وبين ما أروج له من دعوة الى الألفة مع القراءة الحرة. لقد جاء السؤال على النحو التالي: ما علاقتكن بالصحف المحلية والخليجية والعربية، وبالتحديد ما هي صلتكن بالأعمدة اليومية والاسبوعية التي تحفل بها جميع الصحف المكتوبة بلغة الضاد الى اهلنا من المحيط الى الخليج بل والى قاريء العربية من غير العرب؟! علا القاعة صمت رهيب، وبدا انني اسأل عن كيفية صناعة الصاروخ، وعن الطرق الجديدة التي سنتفوق بها على اميركا وروسيا في تكنولوجيا الفضاء!! انتظرت بضع دقائق على أمل ان تقف احداهن لتذكر اسم كاتب علق في ذاكرتها اثناء تقليبها للصحف ان كانت ممن يعرف الطريق اليها، وممن يألف مطالعة العناوين الرئيسية والزوايا الثابتة للصحف التي يربو عددها على المئات في وطننا العربي الكبير!! ولكن خيبة الامل ظلت هي الشيء الوحيد الذي يمكن ان اصف به ردة الفعل التي اصابتني من جراء هذا الفقر المدقع في معرفة الواقع الاعلامي المقروء ولو بنسبة بسيطة ترفع اللوم والعتاب عن الحاضرات اللواتي اختطف التلفاز اعمارهن، وذهب بهن بعيدا عن الشعور بالمسئولية الفردية ازاء فهم الواقع الذي يشكل العالم الذي ينتمين اليه. وعبثا حاولت ان اصل الى جزء من الاجابة او الى نقطة واحدة اسجل بها اعترافا ان لدينا طالبات يهمهن ان يتعرفن على الاراء والاتجاهات وان يتصلن بالعالم من خلال الكلمة المكتوبة فرجعت بصمت كان ابلغ في التعبير عن الحال من اي جواب آخر!! ولأن البدايات الخاطئة تقود الى نهايات خاطئة فقد كان من الطبيعي ان يصدر حكم على من لم تجد رغبة في تقليب الصحيفة انها ومن باب اولى ليس لها اي علاقة بالقراءة الحرة. وفعلا سألت عن علاقتهن بالكتب، وطلبت اسماء اشهر الكتاب الذين قرأن لهم شيئا في يوم من الايام فكانت الاجابة هذه المرة سريعة ومختصرة ومباشرة وعلى لسان احداهن التي قالت بصوت مسموع: وهل هناك وقت لكي نقرأ؟!! حقا لقد قطعت جهيزة قول كل خطيب!! وقطعت الفتاة الطريق امام اي محاولة لاستكشاف مساحة العاطفة التي تجمع بينهن وبين مصادر التنمية الذاتية. الامر الذي يستدعي ان نسأل المعلمات عن سبب هذا الفتور، وعن الاساليب القاصرة التي ادت بالطالبات الى هذا الفهم المحدود؟! الامر الذي سنتناوله في الغد بإذن الله