الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 يبدو ان صفات «الكرم العربي» التي ورثناها ضمن ما ورثناه عن اجدادنا قد تطورت مع ما شمل حياتنا المعاصرة من تطورات، وهي مجازاً «تطورات» لانها في واقع الأمر ليست الا «تدهورات»! ومن منطلق «الكرم العربي» في مفهومه المعاصر.. فإننا اصبحنا متخصصين في اضاعة كل الأوراق الرابحة من ايدينا.. وفي تبديد كل الفرص السانحة لنا، بارعين في تجريد انفسنا من اي سلاح نملكه.. تاركين الاخرين يسحبون من تحت ارجلنا كل البسط.. وكل السجاجيد، ثم.. بعد ان نكتشف ضياع كل شيء.. نبدأ في البكاء على اللبن المسكوب.. والبساط المسحوب.. ولكننا ابدا لا نتوب! كان عندنا «بترول».. نطلقه فتنتفخ به شرايين الحياة في العالم.. فتتورد وجناته صحة وعافية ودفئا، أو نحبسه فتجف عروق الحياة في ابدان من يحاولون «كعبلة» مسيرتنا، وفرحنا بهذا السلاح المجاني.. واشتد بنا الانبساط ففرشنا البساط.. وجلسنا نتحاور على طريقة «اسبرطة» القديمة، هذا يقول: زين نستخدمه، وذاك يقول: ما يصير يا أخي.. لانستخدمه، واحد يقول: نقطعه عمن يعاكسنا ويعكنن علينا.. والآخر يقول: حرام يا اخي.. حرام.. لا تخسروا الرأي العام العالمي، وامتد الحوار وطال.. وتشعب الحديث واشتد الجدال، حتى افقنا فإذا بالبترول قد «راحت عليه»، سحبه الشطار اثناء انشغالنا بالحوار، واغرقوا به الاسواق والآفاق.. حتى انحطت الاسعار وهوت الى الاعماق، وكان ان نشطب من قائمة اسلحتنا سلاح كنا نسميه «سلاح النفط» ولا عزاء للمحاورين والمتفلسفين.. أو للمحللين والمتنطعين! وكانت لنا فوائض مالية وارصدة دولارية تسد عين الشمس، تتخم خزائن الغرب.. ويتوكأ عليها اقتصاد من استعمرونا واستعبطونا طويلا، وكان سحب هذه الارصدة من بنوك أي دولة يكفي لكسر وسطها.. ويضطرها لأن تبوس الجزم.. وتبدي الندم.. على غلطتها في.. حقنا طبعا..! لم تكن فرحتنا بهذا السلاح البتار بأقل من في فرحتنا بسلاح النفط، فزاد بنا الانبساط.. ورجعنا للحوار الاسبرطي، وانبرى حكماؤنا وخبراؤنا يتحاورون ويتداورون.. وامسك كل منهم برزمة أوراق مالية وراح يطلق منها ورقة بعد ورقة وهو يردد: نستخدمه.. لا نستخدمه.. نستخدمه.. لا نستخدمه..، ولكن قبل ان تنتهي الاستخارة كان أهل الشطارة قد سحبوا من تحتنا البساط الثاني قبل ان نسحب نحن من بنوكهم دولاراتنا، فقد لعبوا بالدولار لعبة الثلاث ورقات صعوداً وهبوطاً.. وكما هي العادة كان نصيبنا هو الهبوط.. ونصيبهم هو الصعود.. فتآكل نصف الارصدة، وكما طار سلاح النفط طار سلاح الارصدة.. ولا عزاء للكرماء العرب..! ــ وكانت على الأرض كتلتان.. احداهما شرقية والأخرى غربية، كنا في أيام «الهنا» نتكيء على احداهما ونخرج لساننا للأخرى.. ونحارب احداهما بسلاح الثانية، ونتشعلق بحبال واحدة منهما اذا انقطعت بنا حبال الأخرى، ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.. بين غمضة عين وانتباهتها لم تعد على الأرض كتلتان.. ولا جبهتان.. ولا حبلان، ساحت احدى الكتلتين.. وذابت جبهة من الجبهتين.. وانقطع احد الجبلين، بعد ان اضعنا سنوات الفرص السانحة، وتأرجحنا طويلا بين المعسكرين.. وتقلبنا بلا تخطيط بين الكتلتين، من ساعدنا شتمناه.. ومن ضربنا على قفانا شكرنا له مسعاه، رفضنا الأيادي الممدودة بدعوى أنها ليست لوجه الله.. وقبلنا الأيادي المسمومة أملا في وهم تخيلناه، وبين الحلال والحرام.. وفتاوى بطلان التعاون مع الصديق لأنه زنديق.. ومشروعية الارتماء في احضان العدو لأنه متحضر وأنيق.. ضاعت الفرص وتبخرت الأحلام!. ــ اتخيل اجتماعاً عقد في يوم ما.. في مكان ما.. عقب حرب أكتوبر وضم كل قوى الحقد المهزومة.. وان هذا الاجتماع بدأ بسؤال طرحه المندوب الاميركي قائلاً: «بدى اعرف.. نفسي اعرف.. العرب انتصرو ليه؟» وبعد حوار لم يدم طويلاً خرج المجتمعون بقرار موحد وحاسم يؤكد على ان «الحكاية دي لا يمكن تتكرر تاني».. وكانت الخطة التنفيذية تنص على الآتي: ـ العرب اتحدوا فانتصروا، مهمتنا هي فركشة هذا الاتحاد، وعلى أصدقائنا في العالم العربي ان يقوموا بالتنفيذ كل في اختصاصه وفي موقعه! ـ البترول.. تنبه العرب لأهميته.. وتعلموا كيف يستخدمونه ضدنا، هذا الخطأ يجب ألا يتكرر، اسحبوه.. وخزنوه.. ثم انسفوا أسعاره واخسفوه! ـ أموال العرب لدينا.. يجب ان تكون لنا لا علينا، لهم منا «الفكة».. ولنا منها الرزم و«البواكي»!. ـ الكتلة الشرقية.. ساندتهم بالسياسة.. ودعمتهم بالسلاح بلا كياسة، يجب تفكيكها ليصبح العرب بلا ظهر.. ويموتوا من شدة القهر..! ــ وأتخيل اجتماعاً آخر عقد مؤخراً لنفس المشاركين في الاجتماع الأول لبحث الموقف بعد مرور سنوات ما بعد 6 أكتوبر، واستعراض ما تم انجازه من مقررات الاجتماع الاول.. وجاء التقرير موجزاً ومركزاً: ـ وحدة العرب.. تم بالجهد المشترك للجميع.. التقفيل على كل المواضيع..! ـ البترول العربي.. حصل لنا الارتياح.. بعد ان شطبه نهائياً كسلاح..! ـ الأرصدة العربية.. استمر اعتبارها أرصدة وانتهى اعتبارها عربية! ـ الكتلة الشرقية.. تمت تصفيتها.. وتتخذ الاجراءات حالياً لتأجيرها مفروشة..! وانتهى التقرير بعبارة تقول: «كل الأمور صارت الآن تمام التمام.. وأصبح الجو مهيئاً لمسيرة السلام»..!!