الخميس 16 رمضان 1423 هـ الموافق 21 نوفمبر 2002 يستمريء كثيرون دمغ عصرنا بوصف الزمن الرديء، مثلما يستسهلون لوك مصطلح الأزمة بمبرر أو بدونه، للدلالة على واقع الأمة وثقافتها. وإن لم يكن هؤلاء مخطئين في تحليلهم، فهم يتحملون وزر إشاعة اليأس، وتثبيط همم المواطنين والنشء، ودفعهم دفعاً إلى السقوط في بئر الإحباط والهزيمة من الداخل، والكفر بالمستقبل. وهؤلاء رغم انطلاقهم بدافع ابراء الذمة، ومحاولة نيل شرف الشهادة على العصر، إلا انهم لا يستحقون سوى الإدانة التي تليق بالمرجفين، الناعقين في ابواق الهزيمة واليأس. فالذي تحتاجه الأمة لحظة وصول حالها الى طريق مسدود أو تلاشي ملامح جسور وبوابات الخلاص، ليس بيانات التنديد وإدانة الذات وجلدها بل نفير استيقاظ الوعي، ونداءات الصحوة، وبعث الأمل. وبدلاً عن ثقافة العجز والامر الواقع، والمثقف التبريري، أيا كان منطقه وقناعاته، ما أحوج أمتنا إلى ثقافة المقاومة وتجاوز لحظة الضعف، ورفض الاستسلام، أو الانصياع لسطوة امبراطورية الشر أيا كانت. ويستوي في الجرم مع الناعقين في أبواق اليأس من مثقفي التبرير، أولئك الذين يحترفون سرقة الفرح من البسطاء ملح أرضنا العربية وزبدة عطائها، والذين يحترفون تصدر الصفوف في كل مغنم ولا تجد لهم أثراً في كل مغرم، يخادعون الناس بلباس ثقافة المقاومة وهم في الأصل باحثون عن مكاسب شخصية صغيرة، يتاجرون ليس بقميص عثمان وحده، بل بكل قمصان شهداء أمتنا. ربما يستفيد هؤلاء من مواتاة الفرصة لهم، فعندما تفرض التحديات علينا، أجندة للمواجهة، نركز على التعريف بالخطر القادم، والاعداد لمواجهة تتقزم الى جواره دواعي نقد الذات، أو الدعوة لفرز الصف الداخلي، خوفاً من انكشاف عوراتنا الثقافية والسياسية، وفي كل دورة يفلت سارقو تضحيات البسطاء بسرقاتهم. صحيح ليس هناك مبرر لوصف زمننا بالزمن الرديء، فمن جهة لا يجوز لنا ذم الزمان، ففيه تجديف ودخول في دائرة المحرمات الدينية وإبطال للصوم في شهرنا الكريم الذي أوشك على بدء العد التنازلي لنصفه الثاني. ومن جهة، فالزمان في حد ذاته، لا يُوصف ولا يمدح ولا يذم، وتنسحب محدداته على ما يأتي به الإنسان من تحرك وفعل، ويصبح دافعاً للفخر أو مبرراً للخزي والعار. والواقع ان زمننا العربي منذ الغزوة الاوروبية الاولى المعروفة بالغزوة الصليبية أو حرب الفرنجة، يسير في مسار دائري، كلما انكسرت موجة استعمارية تلتها أخرى، وكلما انتفض الجواد العربي من كبوته، بعد ظهور فارس، دخل في مرحلة من الانتظار لمجيء فارس يقود الأمة ويكشف الغمة، ويعتلي ظهر الفرس العربية الشهباء التي تتخبط في مضمارها، كفارس بلا جواد عربي اصيل.. ندعو الله ألا يطول غيابه.