الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 للبيت الأبيض في واشنطن أكثر من حديقة، لكن حديقة الورد هي حديقة الملوك والرؤساء فقط، وفي هذه الحديقة سطر الجزء الأخطر من تاريخ العرب المعاصر، وتاريخ القضية الفلسطينية، ومسيرة ما يسمى بـ (السلام) بين الكيان الصهيوني والدول العربية، في هذه الحديقة مَد أول رئيس عربي يده مصافحاً من كان عدوه وعدو أمته وشعبه وتاريخه، ثم تبعه الثاني، فالثالث ف...!! في حديقة الورد، وعلى هوامش اللقاءات والحفلات الباذخة سطرت صفحات من تاريخ النكبة، وهوامش الهزائم والسقوط، لقد كان الخبر دماء الشهداء، وكان الثمن فلسطين وكرامة أكثر من 260 مليون عربي و22 قطراً عربياً ومازالت الجريمة مستمرة، ومازالت حدائق البيت الأبيض وصالاته تستقبل المبايعين تحت ظلال الورد!! لقد دفعنا كمواطنين عرب الكثير من القهر والغضب، والكثير من الشهداء والدماء، والكثير من سنوات التخلف في ظل الطغيان الذي باع واشترى أوطانا ومصائر وشعوباً في غيبة عنها وبحضور ملكي باذخ في حدائق البيت الأبيض وجنباته المطلية بالبياض، والمزينة بالصور والتحف والاسرار والفضائح! لقد دفعنا حتى صارت كل فلسطين لليهود، ولنا العار والهزائم والديمقراطية عبر القنوات الفضائية والحوارات الصارخة والبرامج الفجة! الولايات المتحدة الأميركية تعيد رسم الجغرافيا، وترسيم الحدود، وتوزيع الثروات على طريقتها (الديمقراطية) كما تعيد هيكلة (الديمقراطية) بالطريقة التي تناسب القُصر والذين لم يبلغوا سن الرشد بعد، وهي تفعل أكثر من ذلك، انها تعيد برمجة ثقافتنا وديننا وتعليمنا ومناهجنا وثقافتنا العامة الدارجة والبسيطة، انها لا تُؤَمْرِكُنَا، انها تدجننا في غيبة الوعي وانعدام شروط الحضارة كلها من المحيط العربي! وفي كل تاريخنا منذ أيام الخلافة الاولى وحتى اليوم، لم يأتنا خطر الخارج بغزوه واستعماره وقمعه وجيوشه إلا حينما فسدت أنظمة الحكم وضعفت وتهاوت وسقطت في الخلافات والتفاهات والانحطاط، ووقعت على دفاتر الهزيمة بدماء شعوبها وجالست أعداءها وسلمتهم المفاتيح ومكنتهم من رقاب الحراس والامناء! في كل تاريخنا لم تأتنا الهزائم ونحن أقوياء، ولم تنبثق الخيانات من قلب الشعب، فالشعوب لا تدخل حدائق الملوك والامبراطوريات، حدائق الورد للملوك والرؤساء فقط ومن بيده مفاتيح المدن، وهؤلاء سرعان ما يسلمون بأمل البقاء، فإذا بهم أول من يتوارى من الصورة حينما يجدّ الجدّ ذلك أن الغزاة لا يأتمنون الخائن أبداً. وبعد كل المصافحات الدنيئة مع قادة الكيان الصهيوني، وبعد كل الجمل المسمومة الذاهبة في القلب كخنجر عن سلام الشجعان، والصديق رابين ورجل السلام شارون وأبناء العم اليهود و... وبعد اتفاقات اوسلو المختلسة من وراء الشعب الفلسطيني والعربي، وبعد أن كانت فلسطين دولة متنازعاً عليها بين اليهود والفلسطينيين، صارت كل فلسطين لليهود، وللفلسطينيين الدمار والشتات ومستقبل التهجير، وصاروا شعباً معروضا على طاولات حديقة الورد ومكاتب البيت الأبيض كصفقة قابلة للتقسيم بين العواصم العربية، ومازالت المفاوضات مستمرة، ومازالت البيوت والقذائف تتساقط على الرؤوس كل يوم، فما لم ينته بالقنابل والصواريخ سينتهي حتماً بجرة توقيع تحت ظل شجرة ورد!!