الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 قال أبو الطيب المتنبي: بمن أضربُ الامثالَ أم مَن أقيسُهُ إليكَ وأهل الدهرِ دونكَ والدهر وفي ديوان أبي الطيب أبيات وأبيات سارت بين الناس مثلاً بعدما استقرت في أرواح الناس لانها لامست تفاصيل حياتهم وأرواحهم ووجدانهم وهاهنا جمع بسيط من أمثال أبي الطيب أو أبياته التي سارت مثلاً مشفوعةً بقراءةٍ في شروح أكبر أربعة شراح لديوانه: اليازجي والعكبري والبرقوقي والمعري. مظاهر الناس هذا مثل يضرب لكل من ينخدع بالظاهر، فيه يقول المتنبي لا تخدعنك مظاهر الناس فما المظاهر إلا صوراً قد لا تكون هي صورة الباطن. فرب كئيبٍ ليس تندى جفونهُ ورب نديّ الجفن غير كئيبِ فلا يغررك ما تراه من جفون مبللة بالدموع فربما انها دموع بلا حزن، ورب حزين لا ترى له دموعاً وهو باكٍ بكاءً لا تراه. وقال البرقوقي صاحب شرح ديوان المتنبي في شرح هذا البيت: ليس بالبكاء يعلم الحزن فرب محزون عصي الدمع فلا يبكي ورب باك تنسكب دموعه وليس بمحزون. الدلال وكم ذنبٍ مولّده دَلالٌ وكم بعدٍ مولّده اقتراب ويضرب هذا البيت مثلا لمن يذنب بسبب ما يناله من دلال من أحبه، فإن كثرة التدليل تبعث احيانا على ان يتمادى المدلل فيأتي بالذنب يحتسبه حسنا وهو قبيح. كما يضرب الشطر الثاني من البيت مثلا لمن يكون سبب بعده عن أحبابه شدة اقترابه منهم، فإن القرب وطول المعاشرة قد يؤديان احياناً الى الشجار والنزاع والفراق. وقد قال المعري أحد شراح ديوان المتنبي في هذا البيت «كم ذنب يتولد من الدلال أي الافراط وتجاوز الحد، وكم بعد يتولد من القرب اذا لم يكن معه الأدب ورعاية الحرمة. ليت الحوادث ليت الحوادث باعتني الذي أخذت مّني بحلمي الذي أعطت وتجريبي وهذا بيت يضرب مثلاً للانسان بلغ من تجارب الحياة ما بلغ لكنه اشترى كل ذلك من حوادث الدنيا بشبابه وأجمل ايامه. وقد قال العكبري أحد شراح ديوان المتنبي ذلك البيت فقال «إن الحوادث أخذت مني شبابي، وأعطتني الحلم والتجربة، فليتها أخذت مني ما أعطت» أظلم أهل الظلم وأظلمُ أهلَ الظّلم من بات حاسداً لمن بات في نعمائهِ يتقلّبُ ويضرب هذا البيت مثلا لكل جحودٍ نكور يتقلب في نعماء وخير المنعم عليه المتفضل وقلبه حاسد له حاقد عليه. وقال اليازجي أحد شراح ديوان المتنبي في هذا البيت: أشد الظالمين ظلماً من تقلب في نعمة انسان ثم بات يحسده على تلك النعمة. الحكم على الناس لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حَشاكَ في أحشائهِ هذا بيت يضرب مثلاً لمن يحكم على الشيء دون ان يعرفه حق المعرفة، أو على الانسان دون ان يعيش حياته ويعاني معاناته. فليس للعاذل ان يعذل العاشق في شوقه حتى يجد من اللوعة والوجد ما يجده العاشق في أحشائه، وفي هذا البيت يقول العكبري (لا تكن عاذلاً للمشتاق في شوقه حتى تجد ما يجده فهذا معنى قوله «في احشائه»). يريد يكون قلبك في قلبه أي تحب مثل ما يحب . في الناس في الناس أمثلةٌ تدرُ حياتها كمماتِها ومماتُها كحياتِها ويُضرب هذا البيت مثلاً لمن لا فائدة في وجوده فهو عدم، حياته كمماته ومماته كحياته لا أحد يبالى به، وفي ذلك قال اليازجي شارحاً: هم صور ناس لا ناس في الحقيقة تدور بين الوجود والعدم، حياتها كمماتها في عدم انتفاع الناس بها، ومماتها كحياتها في عدم المبالاة به. أفاضل الناس أفاضلُ الناس أغراضٌ لذا الزمنِ يَخلو من الهمّ أخلاهم من الفِطَنِ ويضرب هذا البيت مثلا عندما يصاب بحوادث الزمن ونوائبه واحدٌ من أفاضل الناس وخيارهم في حين يخلو منها كل سفيه وضيع منهم، ومعلوم ان اقل الناس هماً من لا عقل له ولا قيمة ولا رأي ولا حكمة. وقال في هذا البيت البرقوقي شارحا: ان الافاضل من الناس كالاغراض للزمان يرميهم بنوائبه ويقصدهم بالمحن فلا يزالون محزونين لبعد همهم ولطف احساسهم واهتمامهم بما دق وجلّ من عبر الدهر وصروفه، وكأنهم هم المقصودون بها وانما يخلو من الحزن من كان خالياً من الفطنة. أخلاق النفس وللنفسِ أخلاقٌ تدُل على الفتى أكانَ سخاءً ما أتى أم تساِخيا وهذا بيت يضرب مثلاً في التصنع والتظاهر بما ليس في النفس من صفات فللنفس أخلاق لابد ظاهرة ستكشف لك حقيقتها، وقد قال المعري شارحا هذا البيت: لكل انسان اخلاق يستدل بها على ما يأتيه من الجود هل هو طبيعي او تكلفي. وأقول إن السخاء أو الجود في هذا البيت ليس مقصوداً لذاته، وانما هو مثل على ما قد يتكلفه الانسان من طباع ليست فيه فينكشف ذلك من خلال معاملته وظهور أخلاقه. أفعال فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً فأفعالُهُ اللائي سَرَرْن ألوف وهو بيت يضرب مثلاً لكل محسن، عمل الكثير من الجميل لكنه اخطأ مرة فلا يجب أن يحجبَ ذلك الخطأ كل افعاله الجميلة التي مَضت. بل يذكر له ذلك. وفي ذلك قال العكبري شارحاً ان إحسانه أكثر من إساءته والكثير لا يغلبهُ القليل.