الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 جون قرنق يقاتل في سبيل الله! وقتلى جيش قرنق شهداء.. واحياء عند ربهم يرزقون. هذا رغم ان قرنق وجنود جيشه لا يشهدون بأن لا إله الا الله وان محمدا رسول الله.. وانهم يقاتلون قوماً مسلمين كرأس حربة للمؤسسة الكنسية الغربية في حملتها المعادية للاسلام في القارة الافريقية. هذه زبدة ما نشر للكاتب السوداني المسلم ابوبكر القاضي مجددا في احدى الصحف العربية. ولن أخوض في مجادلة مع الكاتب حول هذه المسألة لأنه لن يقنع أحد منا الآخر.. فنحن على خطين متوازيين. وما اتعجب منه انه بينما يسعى الكاتب إلى نفي الصفة الصليبية للمهمة القتالية لجيش قرنق في جنوب السودان فإن قادة الهيئات الكنسية الغربية الداعمة لحرب قرنق لا يتحرجون من الجهر بهدفهم من وراء الحرب في الوسائل الاعلامية الغربية. فرجال من امثال فرانكلين غراهام وبات روبرتسون وغيرهما من اقطاب «اليمين المسيحي» المتطرف في الولايات المتحدة ومعهم آخرون من امثال ابراهام فوكسمان من قادة الجمعيات الصهيونية الاميركية المتحالفة مع «اليمين المسيحي» يقولون بالصوت العالي من خلال الوسائل الاعلامية الالكترونية والمطبوعة انهم يدعمون الحرب الدائرة باعتبارها حرباً بين «الجنوب المسيحي» والشمال المسلم في السودان. وعندما يقول لنا الكاتب السوداني ان قرنق يستغل المؤسسة الكنسية الغربية، وليس العكس فكأنما يعتبرنا سذجا بمحاولة اقناعنا بأن الطرف الاضعف يستغل الطرف الاقوى. وهنا اطرح تساؤلا: على من يعتمد قرنق في تمويل جيشه وتمويل حربه؟ امامنا قوة قتالية جنوبية مدربة على مستوى عالٍ وتتكون من نحو 50 الف مقاتل ومزودة بتسليح حديث. وعلى هذا النحو ظلت تمارس القتال لمدى 19 عاما وقد توفرت لها طيلة هذه الفترة الطويلة امدادات الذخيرة والاغذية واللوجستيات. فمن هي الجهة التي تتولى امر هذا التمويل؟ وهل هو انفاق على قوة تقاتل في سبيل الله؟ ويقول الكاتب ان حركة قرنق لا تقاتل ضد الاسلام وانما ضد «الاستعلاء» العربي.. ومن اجل اقتسام السلطة والثروة. وهنا نواجه غموضا. فهو يتحدث تارة عن «المركز» وتارة عن «الوسط» وتارة عن «الشمال» وتارة اخرى عن «الصفوة الشمالية الحاكمة». ولا ادري ما اذا كان الكاتب يستخدم في هذا السياق منظورا جغرافيا ام منظورا حضاريا. هل يقصد تحديدا القبائل النهرية العربية (الجعليين والشايقية والدناقلة والرباطاب) في شمال السودان فقط ام ينحصر قصده في اهل الخرطوم؟ وماذا عن اهل الجزيرة؟ وماذا عن قبائل الغرب في كردفان (البديرية والكبابيش والبقارة والجوامعة والحمر وغيرها) وهي كلها قبائل عربية؟ وماذا عن القبائل العربية في دارفور: الرزيقات والمعاليا والمسيرية وغيرها؟ يبدو ان الكاتب في حمأة عدائه البين للعروبة في السودان يسجل ادانة كاسحة وجماعية لغالبية اهل البلاد في الشمال والوسط والغرب. وعندما يقرن الكاتب هذه الادانة الكاسحة على غالبية الشعب السوداني المنحدر من اصول عربية بمسألة اقتسام السلطة والثروة فإن الغموض يبلغ مداه. فهل يعني الكاتب الثروات الطبيعية المتنوعة الموزعة بتنوعها على انحاء البلاد؟ ام انه يقصد الثروة الانتاجية المتراكمة. وبالتالي، اتساءل ايضاً: كيف يوفق الكاتب بين قومية الثروة الطبيعية وبين انفراد كل اقليم بما يصادف ان يكون لديه من ثروة طبيعية؟ وهل يستطيع الكاتب ان يحدد لنا بصورة دقيقة ما هو وجه الظلم في هذا الصدد من خلال اعتمادات الميزانية العامة وميزانية التنمية منذ الاستقلال؟ ثم ما هي معايير تقسيم الثروة؟ واتساءل ايضا: ماذا يعني الكاتب تحديدا باقتسام السلطة؟ لقد تعاقب على حكم السودان نوعان من السلطة. سلطة ديمقراطية ليبرالية وسلطة دكتاتورية استبدادية. تحت ظل النظام الديمقراطي كان الشعب السوداني بأكمله وبمختلف اقاليمه وقبائله ينتخب برلمانا قوميا من ممثلين يفوزون اما على ولاء طائفي ذي طبيعة قومية او ولاء قبلي.. ثم تنبثق في هذا البرلمان القومي حكومة. اما في النظام الدكتاتوري فإنه تستولي جماعة على السلطة عنوة تفرض القهر على كل السودانيين بكل اقاليمهم وقبائلهم. وفي الحالتين يستوي الجميع: مساواة طوعية على اساس مباديء التمثيل الديمقراطي من ناحية، ومساواة قسرية على اساس القهر الدكتاتوري. ويجدر بالذكر ايضا ان الولاء الطائفي موزع على جميع انحاء البلاد عدا الجنوب: فمؤيدو طائفة «الانصار» موزعون في الجزيرة والغرب اجمالا. ومؤيدو «الختمية» موزعون في الشمال والشرق اجمالا. وهكذا تقتسم السلطة بموجب مباديء النظام الديمقراطي.