الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 أقرب وصف لقرار مجلس الأمن الرقم 1441 بشأن العراق، بعد أسابيع من المناورات والمساومات المعقدة بين أعضائه، هو أنه أفسح في المجال أمام هؤلاء الأعضاء وبينهم وبين الولايات المتحدة لمواصلة حروب الشد والجذب لثلاثة شهور أخرى، ولكن ليس فقط حول التحرك الأميركي المقبل ازاء العراق وانما أيضا - وهنا جوهر القضية التي لم يفطن لها الا القليلون - حول مصير منظمة الأمم المتحدة باعتبارها «صاحبة القرار بمسألة الحرب والسلام في العالم». كما جرى الاتفاق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتاليا حول شكل وصيغة النظام الدولي الجديد كما تتصوره الادارة الحالية لـ «الدولة العظمى الوحيدة في العالم» الآن بعد الحرب الباردة وسقوط مرحلة الاستقطاب التي حكمت توازن القوى العالمي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. يبقى هذا الوصف هو الأقرب، بصرف النظر عما اذا كان القرار سيؤدي فعلا الى تجنيب العراق حربا شرسة تحرق الأخضر واليابس وتقيم نظام حكم فيه يكون صنيعة للولايات المتحدة، أو أنه لن يمنع نشوب مثل هذه الحرب في النهاية. كيف ذلك ؟! الواقع أن الفترة السابقة، ومنذ الذكرى الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في واشنطن ونيويورك بالذات، حفلت بهواجس لدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (لم تصل الى حد الحديث عنها علنا برغم الاشتباكات العنيفة بشأن القرار العراقي) حول مصير الأمم المتحدة كناظم قانوني دولي، ولو شكلي، للعلاقات بين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الأصغر منها من جهة ثانية، وحتى حول معنى وجدوى حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن اذا كان في قدرة دولة - مثل الولايات المتحدة هنا - أن تأخذ قرارها بيدها وتشن حربا على دولة أخرى - العراق - من دون النظر الى موقف مجلس الأمن والدول الأعضاء فيه، بما فيها الدول التي تتمتع بحق النقض، من هذه الحرب. قتل الأمم المتحدة بعض هذه الهواجس، بل ربما الأهم من بينها، كان في ذهن الادارة الأميركية التي لم تعد تخفي أنها تسعى لفرض سيطرتها الوحيدة الجانب على مقدرات العالم، وعلى قرار الحرب والسلام فيه بشكل خاص، بعد ما تصفه بأنه «هزيمة» لحقت بكل القوى وحتى الأفكار والأيديولوجيات المناهضة لها، وبعضها الآخر كان في اذهان القوى الأخرى، وفي مقدمتها فرنسا ثم روسيا والصين وان بدرجة أقل، خوفا من الآثار الدولية الواسعة التي ستترتب على قيام الولايات المتحدة بتدمير البقية الباقية من «مساومات» ما بعد الحرب العالمية الثانية - منظمة الأمم المتحدة - كما حدث عمليا بالنسبة لـ «عصبة الأمم» في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولى. المؤشرات على تلك الهواجس كثيرة ومتنوعة، الا أنه يمكن ادراج أبرز ما شهدته المنظمة الدولية منها على الشكل التالي: لقد كان في نية الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وطاقمه من الصقور، في البداية، أن يعمل على إقامة «نظامه الدولي الجديد» من خلال القفز كليا فوق مجلس الأمن. ليعلن تاليا تحييد هذا المجلس - موته عمليا - ومعه المنظمة الدولية كلها من دون أن يكلف نفسه حتى عناء اطلاق الرصاص عليهما، ذلك كان المعنى العميق لقوله يومها انه لا يحتاج، في حربه ضد العراق، الى قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، ولا حتى الى تفويض جديد من الكونغرس ولم يكن ترديده لمقولة أن هناك قرارا سابقا من المجلس لهذه الجهة وأنه بدوره يستطيع أن يفسره كما يريد الا من قبيل التذرع لتنفيذ استراتيجيته بتجاهل المنظمة الدولية ومؤسساتها بما فيها أساسا مجلس الأمن. للتاريخ هنا، تجب ملاحظة أن التعامل الأميركي مع الأمم المتحدة، في السنوات الماضية، لم يكن يخرج عن هذه النظرية. نظرية قتل المنظمة من دون الأنسحاب منها رسميا أو اعلان أن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة بها، وعلى أرض الواقع، فعدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها المالية للمنظمة ( سدد الرئيس السابق بيل كلينتون جزءا من هذه الالتزامات قبل انتهاء ولايته ) أحد الدلائل على ذلك، وكان تجميد عضويتها في اليونسكو دليلا ثانيا، وكانت مواقفها من بروتوكول كيوتو للحد من حرارة الأرض ومن محكمة الجزاء الدولية وغيرهما دليلا ثالثا. وليس بعيدا عن ذلك في أي حال، ومهما جرى التمسك بحسن الظن، تنكر ادارة بوش للقرارات الدولية حول القضية الفلسطينية ووصول وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الى القول ان الأراضي الفلسطينية المحتلة هي «أراض توصف بأنها محتلة» أو قول وزير آخر انها «أراض متنازع عليها». في هذا الجانب محاباة تعود عليها العرب لاسرائيل، لكن فيها في الوقت ذاته تحطيما متعمدا لقرارات المنظمة الدولية بل وللمنظمة نفسها. ثم انه، عندما جوبه بمعارضة في الداخل والخارج وحتى بانتقاد من حزبه ومن الحزب الديمقراطي المعارض، رضخ للدعوات التي طالبته بعرض المسألة على مجلس الأمن قبل أن يعمد الى تحريك قواته المسلحة لضرب العراق واحتلاله، غير أنه جاء الى المجلس، برغم ذلك، بكلام لا يفعل الا أنه يجسد هاجسه الأصلي: «على مجلس الأمن أن يتخذ قرارا سريعا بتفويض الولايات المتحدة شن الحرب على العراق وتغيير نظام الحكم فيه ونزع الأسلحة التي ربما يكون يمتلكها، لكن يجب أن يكون مفهوما أن الولايات المتحدة ستهاجم العراق في أي حال، وسواء أصدر المجلس قراره هذا أو لم يصدره». يخالف ذلك على طول الخط النصوص الواردة في مهمات مجلس الأمن التي تتحدث عن: أولا «المحافظة على السلام والأمن الدوليين وفقا لمبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها»، وثانيا عن «التحقيق في أي نزاع أو حالة قد تفضي الى خلاف دولي»، وثالثا عن «وضع خطط للتصدي لأي خطر يتهدد السلام أو أي عمل عدواني وتقديم توصيات بالاجراءات التي ينبغي اتخاذها». ثم انه، وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا وروسيا والصين (التي تتمتع بحق النقض) وحتى الدول الأخرى غير الدائمة العضوية في المجلس تناقش مشروع القرار المقدم من الولايات المتحدة، كان يحرك أساطيله البحرية وطائراته وصواريخه الى المنطقة ويكرر من وقت الى آخر ان حربه ضد العراق واقعة لا محالة، حتى أنه طرح علنا ما وصفه بسيناريو «اليوم التالي» الذي اشتمل على تشكيل حكومة عسكرية وتعيين حاكم عسكري للعراق، قيل أنه سيكون قائد القوات الأميركية في المنطقة الجنرال تومي فرانكس، مع بقاء قوات الأحتلال على الأراضي العراقية سنة أو ربما سنوات عدة. ثم انه، وقد أسقط في يده نتيجة تجاوب بغداد من دون أية شروط مع عودة المفتشين الدوليين ونتيجة اصرار باريس على العودة الى مجلس الأمن بعد انتهاء مهمة المفتشين، حاول جاهدا اللعب على الألفاظ في صياغة القرار فسعى، مع بريطانيا، الى تعديل في الكلمات لم يكن يخرج عن هدفه اياه، وهو تمرير قرار يتيح له تنفيذ مخططه بقرار أحادي، وفي واشنطن من يقول علنا الآن ان وزير الخارجية «المعتدل» كولن باول أجرى 150 اتصالا هاتفيا في خلال ساعات تمكن فيها من «انقاذ» رئيسه من مجموعة «الصقور» التي تحيط به وتشده باتجاه الأحادية الكاملة في التعامل مع الشئون الدولية. تطويق مؤقت في المقابل كانت هواجس الدول الكبرى الأخرى، وبالذات منها فرنسا، تلعب دورها في محاولة تطويق الخطة الأميركية بضرب المنظمة الدولية ومجلس الأمن تمثلت الوسيلة لبلوغ ذلك الهدف في تجنب منزلق استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الأميركي، وتاليا في تجريد الحق والمجلس معا من معناهما، بل ان باريس عمدت للتسريب الى الاعلام بأنها لن تستخدم الفيتو في كل حال، وأنها من أجل ذلك عملت لحشد أصوات الدول غير الدائمة الى جانبها (تسعة أصوات حسب نظام المجلس) لمنع تمرير المشروع الأميركي حتى لو أن أيا من الدول الدائمة لم تستخدم الفيتو. والى جانب روسيا والصين المعارضتين أصلا للمشروع، وقفت مع فرنسا كل من سوريا والمكسيك وبلغاريا وغينيا والكاميرون التي كانت ستصوت ضد المشروع، هنا فقط شعرت ادارة بوش بأن «التغطية» التي أرادتها من مجلس الأمن باتت أشبه بالنفق الذي دخلته ولم تعد تعرف كيف تخرج منه. أكثر من ذلك فقد جاء التصويت الأجماعي في المجلس على القرار 1441، بعد تعديلات سعت الولايات المتحدة لتصويرها وكأنها انتصار لوجهة نظرها بينما تقول الدول الأخرى انها حفظت صدقية المنظمة ودورها في حل المنازعات الدولية، ليؤكد التطويق - ولو المؤقت - للمخطط الأميركي باغتيال ما بقي من المنظمة (على قلته، بل وعلى ندرته!) بعد أن عمدت واشنطن بممارساتها على مدى سنوات لتفريغها من مضمونها وجاءت بموقفها من العراق أخيرا لمحاولة طي صفحتها نهائيا. لم يعد فوق مجال الشك ـ إذن ـ أن الادارة الأميركية الحالية، ادارة «امبراطورية روما» القرن الحادي والعشرين، تعمل بكل الوسائل على فرض هيمنتها الكلية والوحيدة على العالم، وأن منظمة الأمم المتحدة وميثاقها والقوانين التي تمثلها في العلاقات الدولية تشكل احدى أهم العقبات التي تقف في طريق تنفيذ هذه الأستراتيجية. «مبدأ بوش» من ناحية، و «الأستراتيجية الأميركية للأمن الوطني» من ناحية ثانية، أثارا الكثير من علامات الاستفهام حول خطة التنفيذ، لكن ما شهده مجلس الأمن في الأسابيع الماضية أجاب على بعض هذه الأسئلة. ويبقى أن ما جرى كان جولة في حرب، وأن الشهور الثلاثة المقبلة قد لا تكون سوى مجرد هدنة في تلك الحرب. واذا قررت ادارة بوش وحدها في النهاية شن حربها على العراق، خارج اطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تكون قد وضعت الأسفين الأخير في عرش المنظمة الدولية. أي النظام الدولي المتعدد الأطراف، لصالح نظامها الجديد الوحيد الطرف. ـ كاتب لبناني