الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 مما سبق، في الجزء الاول من هذا الموضوع، كان طبيعيا أن تصدر التوجيهات للخبراء الاستراتيجيين والمسئولين الأمنيين في الولايات المتحدة الاميركية وبالذات بعد صاعقة النيران على واشنطن ونيويورك في سبتمبر 2001، وبالفعل تم صياغة «استراتيجيات للأمن القومي الأميركي» في حوالي 35 صفحة تعكس أحلام الامبراطورية الأوروبية وتعبر عن هواجسها الأمنية وفيها ما يمكن أن نشير اليه كمحاور رئيسية تكشف لنا الأحلام والهواجس معا. يجب أن تعمل الولايات المتحدة من أجل تحقيق تفوق عسكري دائم ودحر الارهاب من خلال «تدمير الخطر قبل أن يصل الى حدودنا». أكبر خطر تواجهه الولايات المتحدة يقع عند مفترق الطريق بين الراديكالية والتكنولوجيا، وأضاف «بدافع من حسن التقدير والدفاع عن النفس ستتحرك أميركا ضد هذه المخاطر الناشئة قبل أن تتشكل بالكامل». وتدعو وثيقة بوش وكونداليزا رايس - مستشارة الأمن القومي - الى اعتماد سياسة خارجية تدخلية وصدامية تم تسميتها بـ (السياسة الاميركية الدولية الخاصة). ويؤكد بوش أن أميركا ستصر على الحفاظ على قوتها وسلطتها العالمية «قواتنا ستكون قوية لدرجة أنها ستمنع خصومنا المحتملين من السعي لبناء قوتهم العسكرية بأمل تخطي أو مساواة الولايات المتحدة». استكمال الحلقات وقد جاء بعد ذلك نص القرار المقترح من الرئيس الاميركي على الكونجرس تجسيدا لتلك المفاهيم الكلية والعاملة على تثبيت أركان الامبراطورية الاميركية في العالم، وفيه يقول: «ولما كان العراق مستمرا في انتهاكه الملموس وغير المقبول لواجباته الدولية عبر تطوير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية ذات الشأن والاحتفاظ بها، والسعي بنشاط الى اقتناء القدرة النووية، ودعم ورعاية المنظمات الارهابية، مواصلا بذلك تهديد مصالح الأمن القومي الاميركي والسلام والأمن العالميين، ولما كان العراق يصر على انتهاك قرارات مجلس الأمن الدولي عبر مواصلة القمع الوحشي لشعبه - بما فيه الأكراد - مهددا بذلك السلام العالمي وأمن المنطقة عبر رفض اطلاق المواطنين غير العراقيين المحتجزين ظلما لديه من الكويت أو ترحيلهم أو الاعتراف بهم.. الخ». وبعد أن يعدد المخاطر العديدة والمتنوعة والمحمولة كلها والتهديد للأمن الاميركي وللسلام العالمي، يطلب من مجلس الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة في الكونجرس مجتمعا (قرار آخر حول العراق) اجازة استخدام القوات المسلحة الاميركية «يجاز للرئيس استخدام كل الوسائل التي يراها مناسبة - بما فيها القوة - من أجل تطبيق قرارات الأمم المتحدة المذكورة أعلاه، والدفاع عن مصالح الأمن القومي الاميركي في مواجهة تهديد العراق، واعادة السلام والأمن الى المنطقة». إذا الرئيس الاميركي بوش الابن يطلب اجازة من الكونجرس تعطيه تفويضا لاستخدام القوة المسلحة في مواجهة الشرير «الشرير العراقي»! ما سبق يكشف لنا أن استراتيجية الولايات المتحدة الاستباقية تستهدف استكمال حلقات السيطرة على النفط من شبه الجزيرة العربية والخليج العربي وبحر قزوين، وبعد الانتهاء سيأتي الدور على ايران، والاستهداف الثاني هو اعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها الخريطة العربية من أجل فرض تسوية الصراع العربي الاسرائيلي (تكون لصالح اسرائيل)، كما أنها تعطي لاسرائيل الدور الأول في المنطقة، فمن المؤكد أن الصراع العربي الاسرائيلي تأثر كثيرا واختل ميزان قوى أطراف الصراع فيه لصالح اسرائيل بعد خروج مصر من الصراع باتفاقية كامب ديفيد، كما أنه تأثر أيضا بتوقيع اتفاقيات وادي عربة وأوسلو، ولم تعد هناك أطراف ذات ثقل في ميزان القوى سوى العراق وسوريا وايران. من هنا نستطيع أن نتصور كيف ستفقد القضية الفلسطينية قوة كبيرة اذا قامت الولايات المتحدة بالعدوان على العراق وتقييد النظام فيه وتنصيب كرازاي آخر في العراق، بالاضافة الى الخسارة الفادحة بخروج العراق من أمتها العربية ومن المؤكد أن دور ايران وسوريا سيكون بعد العراق، وعندها تستطيع أميركا أن تفرض الدور الأول لاسرائيل، كما أنها تستطيع أن تغير في الجغرافية العربية مثلما حدث أثناء تقسيم سايكس - بيكو. والسيناريو معروف: قصف كثيف ولعدة أسابيع من الطيران وبالصواريخ، بالاضافة الى تحركات عدائية ومتفق عليها من الأكراد، وبعض القلاقل في داخل العراق تحركها المعارضة الخارجية الممولة من المخابرات الاميركية وعندها سوف يحدث انزال لبعض الشخصيات والقوى القليلة التي تم تدريبها على ذلك من أجل أن تتواجد داخل العراق، وبعد أن تتأكد الولايات المتحدة ومن معها في هذا العدوان والغزو على الانتهاء من حرب البنية التحتية وشبكة الطرق والكباري والمصانع (كما حدث في الحرب السابقة) عندها تتقدم القوات البرية الاميركية على أرض العراق، ومن المؤكد أن هناك تسهيلات عربية وتركية واسرائيلية ودولية تم الاتفاق عليها لترتيب وتجهيز ميدان المعركة. تقريبا هو ذاته السيناريو الأفغاني: سيطرة على العاصمة، وتنصيب رئيس عميل، واقتتال في الشمال والجنوب. المستفيد الأكبر ويهمني هنا أن أشير الى الدور الاسرائيلي واحتمالات تحركه في تلك المعركة وتخطيطه للاستفادة منها، ومن نافل القول أن نذكر بأن اسرائيل هي المستفيد من ضرب قوة العراق العسكرية، وأنها كذلك سوف تشارك بدعم قوى العدوان الاميركي والبريطاني وأئمة أطراف أخرى تشارك في هذا العدوان، كما أن هناك احتمالات ليست قليلة في أن تشارك اسرائيل بقواتها الجوية وبعضا من قواتها الخاصة في تلك المعارك، بالاضافة الى تقديم المعلومات والسماح بكل المعاونة العسكرية في الطيران، وفي تقديم المعلومات المخابراتية التي تساعد الأعداء. ولكن الخشية الأكبر من كل ذلك أن ينتهز شارون ذلك العدوان على العراق ويقوم بطرد وترحيل اعداد كبيرة للأردن من أجل أن يفرض أجندة ما بعد الحرب التوطين على أرض العراق. وقد كتب «جوردون توماس» وهو كاتب أيرلندي كاشفا عن تلك الخطة، كما أنه كشف أيضا عن اتصالات اجرتها الاردن مع دول اوروبية عن خطة شارون تلك، حيث طالبهم الاردن بالتدخل من أجل ألا يحدث ذلك. ويهمنا هنا أن هذه الخطة ليست ببعيدة عن شارون والجماعة الحاكمة في اسرائيل وليكن هناك أمر واقع جديد. في ظني أن النظام العراقي الآن مطالب باصلاحات هامة وصادقة في هذا الوقت بالذات من أجل تصليب الجبهة الداخلية، وذلك بتبني دعوة لبدء حوار داخلي فعال بين القوى السياسية المختلفة تحت شعار «التعدد توحد» ويهمنا هنا أن نشير الى أهمية اطلاق دعوة لكل العراقيين غير المتورطين مع CIA بالعودة الى أوطانهم من أجل المشاركة في هذا الحوار الداخلي الصادق. أما بشأن ما هو مطلوب الآن قوميا ودوليا من قبل الحركة الجماهيرية العربية، ففي ظني أنه لابد من ترتيب أجندة تحريك وتوجيه لغضب الشارع العربي بمسئولية ووعي من قبل قيادات الفعل السياسي والجماهيري، وذلك لأجل التحضير لدروع بشرية عربية ودولية. وهنا لابد من أن نقول أنه كلما زادت أعداد الدروع البشرية - الأجنبية بالذات - عن طريق مد جسور التعاون مع المجموعات المتحركة في حركة العولمة المضادة، تكون النتائج المرجوة أفضل وأنجح، كما أنه لابد من أن تتبنى اللجان والحركات العربية العاملة من أجل رفع الحصار عن العراق دعوات لمؤتمرات وندوات داخل الساحات العربية المتعددة يشارك فيها رجال دوليون من الغرب لتعميق التفاهم بين المتحركين من العرب والمتحركين من العالم الغربي الانساني. وكذلك هناك أهمية قصوى لربط قضية فلسطين في شارع الغضب العربي، والذي أصبح من الواجب الملقى على عاتق قيادته وطلائعه ونخبة من مفكرين ومثقفين وسياسيين ونقابيين أن يتضامنوا من أجل النزول الى الشارع لتقديم الاحتجاج والاعراب عن الغضب ضد أميركا واسرائيل وصمت النظام العربي الرسمي، بالاضافة الى أهمية أن يتم توجيه نداءات من الحركات الشعبية العربية الى النقابات بمختلف صنوفها وأشكالها بأهمية عدم التعاون مع الولايات المتحدة الاميركية وأية دولة أخرى تساند العدوان الاميركي على العراق وفلسطين. وهنا لابد من رفع شعار المقاطعة العربية لكل منتج أميركي وبالأحرى اسرائيلي، كما أنه لابد من أن نطالب أحرار العالم بالتعاون معنا في ذلك، على ألا تقتصر تلك النداءات والدعوات على الورق فقط، وإنما لابد من تشكيل مجموعات عمل نشطة وملتزمة لعمل ذلك ومتابعتها بدأب وتقويم مستمر. كما أنه لابد من رفع شعارات الامتناع عن تحميل أو تفريغ سفن الاعداء من قبل العمال العرب وذلك كله بغرض لابد أن تضمره الحركة الجماهيرية العربية وتعمل عليه وهو التأثير على المصالح الاميركية ومصالح الدول المشاركة في العدوان على العراق. بالتأكيد هناك أخطار كثيرة تقوم بها حركة الجماهير العربية، وفي ظني ان النجاح حليف القيادات والطلائع والنخب في تلك الحركة الجماهيرية ولن يكون ذلك واقعيا إلا بامتلاك المصداقية في التعبير عن هذا الغضب العربي، وأخيرا بذل جهد صادق لتنظيم ذلك الغضب حتى يكون مؤثرا وطويل النفس عندها سيكون لنا حق استشراف لتغيير واسع يشمل واقعنا العربي، ويشمل نظامنا العربي الرسمي. ـ كاتب سياسي مصري