الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 أتاح شهر رمضان المبارك فرصة طيبة للعبد لله لمشاهدة القاهرة الكبرى عن طريق الطرق الدائرية التي تربط الجيزة والقاهرة والقليوبية. أركب الطريق الدائري من شارع البحر الأعظم بالجيزة، وأنزل عند نزلة السمان ثم الطريق الصحراوي ومن هناك أصعد الطريق الدائري في اتجاه القليوبية حتى قرية الخصوص ومدينة السلام ومن هناك الى طريق الاسماعيلية ومن هناك الى الطريق الدائري الذي يمر بطريق السويس الصحراوي ومنه الى شارع عباس العقاد فمدينة نصر فشارع الطيران مرورا بالمنصة فالجبل الأخضر فطريق صلاح سالم الى كورنيش النيل فصعودا الى جسر الحديد الذي يربط بين شارع المعادي وشارع الهرم. وخلال هذه الجولة الكبيرة الواسعة وقع بصري على عدد كبير من سيدات وفتيات القاهرة الكبرى وكلهن في ملابس زورو حيث الحجاب يغطي الرأس ونصف مساحة الوجه والكتفين والصدر، أمهات وشابات وفتيات على وش زواج وبنات في المدارس الثانوية والمدارس الاعدادية وحتى أطفال في المدارس الابتدائية، وأسأل هل حدثت هذه الخطوة عفوا أو بتأثير تنظيم سياسي، ومن الذي تولى اقناع كل هؤلاء الناس بارتداء هذا الزي الذي يقال إنه الزي الاسلامي، وكيف تبدو القاهرة على هذا النحو الآن، وكانت نساء وفتيات مصر تعتبر في مقدمة نساء العالم العربي في بداية القرن، هل هي نتيجة أوضاع اقتصادية معينة كما يقول بعض الناس، وهي عملية توفير لمصاريف الكوافير والحلاق، والعبد لله لا يميل الى هذا الرأي، لأنني أعرف حب المرأة لزينتها، وحرصها على أن تبدو جميلة دائمة. هل هي نتيجة طبيعية لنشاط الدعاة الشباب الذين انتشروا في الفترة الأخيرة وتواجدوا بشكل دائم في القناة الفضائية الأهلية «دريم». هل هي رد فعل لحفلات الندب واللطم تحت مسمى الإنشاد الديني، وأبطاله الشيخ محمد جبريل، والطبيب الشيخ صلاح الجمل، وهي ممارسات لا علاقة لها بفن الإنشاد الديني أو ما يطلق عليه التواشيح.. فقد كان الشيخ علي محمود ينصت اليه في سعادة حتى الطير السارح في السما، وكذلك كان الشيخ محمد الفيومي والشيخ عبدالسميع بيومي والشيخ النقشبندي وآخرهم الشيخ محمد عمران. ولكن هذه التقليعة الجديدة لا علاقة لها بفن الإنشاد الديني أو التواشيح. هذه لها علاقة بفن النياحة أو عمل الندابة وكانت الندابات تحيي ليالي المآتم وتستدر الدموع من عيون الجميع. ويقال ان السيدة بنت الحسين استأجرت بن سريج لإحياء مآتم سيدنا الحسين بعد مصرعه في كربلاء على يد جنود يزيد بن معاوية لمدة 40 يوما، وقد اشتهر بن سريج بعد ذلك كأول مطرب في الاسلام وصار مطرب المدينة وكان معبد هو مطرب مكة. وقد ظلت الندابات في القاهرة حتى رأيناهن في شبابنا وكانت دربالة هي أشهر ندابة في مصر حتى توفت الى رحمة الله. وما يحدث في أجهزة الاعلام على يد محمد جبريل وصلاح الجمل هي عملية إحياء للندابات اللاتي كن متواجدات في القرون الماضية. وحفلات الندب والبكاء التي تظهر في أجهزة الاعلام لابد أن تتوقف على الفور. فالأناشيد الدينية مبهجة وتنعش القلب. وكان الشيخ طه الفشني أحد فرسانها. رحم الله المشايخ الكبار الذين رحلوا الى جوار خالقهم، وغفر الله للسادة الأحياء الذين حولوا الانشاد الديني الى شئ أشبه بالمندبة، وأجبروا الناس على البكاء حتى تنهمر دموعهم على خدودهم، رحم الله الشيخ زكريا أحمد، الذي كان فنانا بحق وبدأ حياته ضمن بطانة أحد المشايخ.