الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 لم يكد حبر زاوية الاثنين يجف بعد حتى وضعتني الاقدار وجهاً لوجه امام جمهور منوع احب ان يدلي برأيه فيما جاء في الزاوية حول البرنامج الحواري الجديد (عالم دريد) طامعاً في ان ابلغ رسالته للقراء بعد ان بلغ به الغيظ والغضب كل مبلغ. اول ردود الافعال التي وصلتني جاءت من خلال مكالمة هاتفية عبرت فيها المتصلة عن بالغ استيائها من البرنامج مناشدة القائمين عليه ان يتدخلوا لتحسين مستوى أداء الاطفال والمقدم معاً. وان يباشروا في استدراك كم الاخطاء والتجاوزات التي حملت اساءات مباشرة الى النظام القيمي والاخلاقي السائد في المجتمع. كما عززت من وجهة نظرها حول اداء فريق البرنامج الذي رأت انه بادر باستنساخ برنامج غربي شهير وقدمه الينا مشيرة الى ان مستوى الانفتاح غير المعهود بل والمستهجن الذي يجري بين مقدم النسخة العربية وبين ضيوفه الاطفال هو محاولة تقليد فاشلة ـ حسب رأيها ـ لذلك البرنامج الغريب المنشأ والهوية، والذي تمت محاكاته بكيفية تلغي الحواجز النفسية التي تمنع الاطفال من استباحة الحوار مع من هم اكبر سناً الى المدى الذي تنكسر فيه الحواجز وتختفي الممنوعات، ويصبح الحديث في كل شيء وعبر اي اسلوب مباحاً تناغماً مع شريعة البرنامج الذي تم تقليده في نسخة عربية ادت به الى الغربة، وقلة الترحيب من قبل الفئة المثقفة والتي تمتلك حساً ووعياً ورغبة في الحفاظ على جدية الافكار، مع تجنب الاسفاف في الكلمة والاداء العام! وممن شارك هذه القارئة وجهة نظرها، وادلى بدلوه في رداءة النص الحواري المعروض في برنامج (عالم دريد) مجموعة من طالبات المرحلة الثانوية في احدى مدارس دبي اللاتي التقيت بهن في برنامج تدريبي حول (ذوقيات السلوك الاجتماعي)، حيث ادلين بنفس الملاحظات السابقة، ورأين ان الخط الذي يسير فيه غير قادر على تحقيق اتصال فعال مع عالم الاطفال!! وهنا اود ان اسجل ملاحظة اراها غاية في الاهمية حول الانتقاد الذي وجه الى البرنامج من حيث كونه مستنسخاً من آخر غربي، اذ ان فكرة استنساخ النجاح ليست مما يستوجب النقد اذا ما احسن اعادة تقديم ذلك الشيء المنقول، واجراء التغييرات القادرة على مخاطبة الجمهور المحلي، فليس عيباً على الاطلاق ان ينجح الغرب في امر ما سواء أكان عملاً اعلامياً، أم ثقافياً أو منتجاً علمياً، ثم يقوم بمحاولة تقليده، اذا ما كان ذلك النقل لا يتعارض مع صبغة المجتمع وهويته الخاصة. لكن الخلل يحدث فيما لو تم استنساخ المحتوى القيمي المتصل ببيئة غربية مقطوعة الجذور والصلة بعالمنا العربي والاسلامي. وقد كان حريا بكل من يفكر في تقليد برنامج غربي ناجح ان يفصل بين الأمرين لانهما مختلفان اختلافاً كبيراً. بل ان الاستغراق في التقليد الكامل لمنتج اعلامي غربي سيؤدي الى اضعاف مستوى البرنامج مما سينعكس على موقف الجمهور الذي لا يوافق ـ في عمومه ـ على تقليد الفكرة واجترار المادة من الآخرين ثم دبلجة الحوار ووضع بعض البهارات على الوجبة الاعلامية المقدمة لهم، والتي غدت عسيرة الهضم بعد ان فسد ذوق معديها وانحرف مزاجهم. فالاسئلة المكشوفة للصغار في برنامج غربي تنسجم في سياقها العام مع الحرية المفتوحة التي ليس لها سقف او سماء في بيئتهم الخاصة، اما هنا فالامر مختلف والصورة مغايرة عن ذلك الواقع البعيد، وهو ما غاب ـ حسب رأيي ورأي من شاركني النظرة النقدية للبرنامج ـ عن ذهن فريق العمل الذي اشرف على النسخة العربية بعد ان كان منقولا أو على الصياغة العربية ان كان مولودا في هذه البيئة!! ان الشيء المؤكد الذي يجب الوقوف عليه من اجل حماية اي اعمال تحاكي الآخرين هو ان التقليد الكلي والنقل الحرفي دون وجود كوابح او موانع تؤطر عملية النقل، وتحفظ خط الرجعة سوف يؤدي الى حدوث انزلاقات ونهايات غير سعيدة لتلك المشاريع الاعلامية التي تلغي الخصوصية، والفواصل الطبيعية التي تميز بين الشعوب!!!