الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 العالم العربي يستظل بأيام رمضان المباركة، ونحن متأكدون بأننا نعيش أياماً رمضانية بكل معنى الكلمة، فالمطاعم والمقاهي مغلقة طيلة النهار، ورائحة دخان السجائر اختفت من أماكن العمل والمنازل، والكل صائم محتسب، ولكن ذلك لا يمنع من مشاهد العصبية والخروج على تقاليد الصوم الروحانية. لكن المؤكد ان رمضان ليس ما ذكرنا فقط، فنحن نستطيع ان نلمح رمضان دون صيام أو قيام أو نقل حي لصلاة التراويح من المسجد الحرام بمكة المكرمة، ذلك ان مهرجان المسلسلات العربية والمسابقات الهاتفية ذات الجوائز الخرافية صار الدليل الأكبر والاثبات الذي لا يقبل الطعن على ان بلاد العرب تعيش شهر رمضان المبارك بشكل درامي واضح!! كم مسلسل درامي (تاريخي أو اجتماعي) يعرض على فضائياتنا العربية؟ ولا يهم إن كان عملاً جيداً يستحق العرض والمتابعة أم مجرد تفاهات تسد فراغاً من ساعات البث الفضائي؟ وكم نسبة المتابعة والمشاهدة لكل هذه الأعمال؟ ومن هو المشاهد (السوبر باور) الذي يستطيع تحت تأثير الصيام والصداع والعمل، ومتطلبات العبادة من صلاة وقراءة قرآن، اضافة لانشغالات الحياة العادية ان يتابع كل أو أغلب أو حتى بعض هذا التيار المتدفق من الأعمال الفنية التي تتكرر موضوعاتها وممثلوها الى الدرجة التي اختلط فيها الحابل بالنابل؟ خطاب الفضائيات العربية في شهر رمضان خطاب يبتعد تماماً عن السياسة التي أتخمتنا بها فضائياتنا طيلة أيام السنة، ولكن هذا الخطاب لا يقترب بأي حال من الخطاب الديني أو الروحاني الأقرب الى مناخ الشهر واجوائه، انه خطاب (فني) إذا صح التعبير، خطاب تتسابق فيه الفضائيات انتاجاً وعرضاً للأعمال الدرامية التي يغلب عليها التاريخ العربي المليء بالانكسارات والانتصارات والمعارك والمؤامرات والشخصيات الفذة عسكرياً وسياسياً وأدبياً. صار رمضان على الفضائيات وكأنه قليل من العبادة كثير من المسلسلات، أما المسلسلات فصارت «كثير من التاريخ والدراما والفجائع قليل من الفن والتسلية والمرح»! كان علماء الأمة ومشايخها ودعاتها يحضون المسلمين في الشهر الفضيل على مراجعة النفس والارتقاء بها في مدارج الايمان والتقوى بالاكثار من العبادة والتقرب الى الله، فجاءت الفضائيات لتلتهم الأوقات، فلا تدع للمسلم وقتاً إلا وملأته بالمسلسلات، حتى ان بعضها يعرض المسلسل إثر الآخر بدون أي فاصل وكأنهم في سباق ماراثوني خشية ان يسبقهم الآخرون. نحن الآن ندعو مسئولي الفضائيات الى تقنين العملية، فهذا المهرجان أو الكرنفال الدرامي أصاب الناس بالتخمة وصار أغلبهم لا يتابع هذه الأعمال، بل يكتفي بعمل واحد ربما شاهده متقطعاً في أغلب الأحيان، ما يعني ان كمية ضخمة من الأموال تذهب هدراً على انتاج لا يهم المشاهد. أخيراً، لا نقول بأن كل الذي يعرض سيئاً، لكن المنطق والعقل يقول ان جزءاً كبيراً مما يعرض لا ضرورة له أو بالإمكان عرضه بشكل أكثر احتراماً لوقت الانسان وأقل تكثيفاً مما هو حادث الآن، فرمضان لم يكن يوماً مسلسلات عربية، وكثرة المسلسلات ليست دليلاً على كرم أو غنى الفضائيات أبداً!!