الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 دولة المستقبل العظمى هي الصين. ولو كان لدى العرب زعامة من طراز ناصري مسلحة ببصيرة نافذة تخترق الحجب لاستثمرت هذه الحقيقة منذ الآن للشروع في بناء شراكة استراتيجية بين الأمة العربية والأمة الصينية. فالظل الصيني يتمدد رويدا وفي صمت على الساحة الدولية، بينما تعاني الدولة العظمى الأميركية تآكلا داخلياً. في الاسبوع الماضي جرى في بكين تغيير سياسي كبير على المستوى القيادي في الحزب والدولة خرج بموجبه الرئيس جيانغ زيمين وصعد إلى رئاسة الحزب والدولة «هو جين تاو». ويخطيء من يرى هذا التغيير كمجرد احلال اشخاص مكان اشخاص. انه مرحلة جديدة تجسد نقلة نوعية في المسار الطويل للثورة الصينية، جاءت نتيجة تخطيط جماعي في اطار برمجة دقيقة متفق عليها سلفاً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم. لذا لن نفهم المغزى الحقيقي العميق لهذا التغيير الا اذا وضعناه في سباق المسيرة التاريخية التي بدأت عند منتصف القرن الماضي، حين حققت الثورة الصينية نصرها النهائي واستولت على السلطة في عام 1949 تتويجا لنضال دموي طويل المدى استغرق نحو ربع قرن. كان ذلك على يد جيل ماوتسي تونغ ورفيقه شو ان لاي ـ الجيل الذي اسس الحزب وتولى مسئولية وقيادة الثورة. ومنذ ذلك الحين ظلت ابواق الاعلام الأميركي «تبشر» العالم وعلى امتداد العقود الزمنية في الخمسينيات وحتى اليوم بأن «نهاية» النظام الثوري في الصين باتت «وشيكة». ولا اعتقد ان هناك ثورة نالت من الاساءة الأميركية والتآمر مثلما نالت الثورة الصينية. ويكفي ان الولايات المتحدة لم تعترف بنظام الحكم الثوري في بكين الا بعد ما يقارب ربع قرن من تسلمه زمام السلطة. لكن الحقيقة هي انه في هذه الاثناء كانت القيادة الصينية منهمكة في عملية البناء الداخلي. والآن واذا نظرنا «بعين طائر» الى مسار بناء الصين في ظل الحكم الاشتراكي وحتى اليوم، نجد ان المسيرة تتكون من اربع مراحل تولت كل مرحلة منها قيادة من طراز معين. المرحلة الاولى كانت مرحلة ارساء قواعد بناء الدولة اقتصادياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل شيء. كانت هذه المرحلة التي امتدت من مطلع عقد الخمسينيات الى منتصف عقد السبعينيات بقيادة ماو والجيل الاول. ولادراك ضخامة الانجاز الذي حققته الثورة خلال هذه المرحلة الأولية هو انها في مجال الغذاء لم تبلغ بالبلاد مستوى الاكتفاء الذاتي لما يقارب 800 مليون نفس فحسب، بل اصبح لها فائض للتصدير. وبينما كانت الزراعة الميدان الاساس للعمل التنموي فان الثورة ارست في هذه الاثناء ايضاً قواعد نهضة صناعية حققت ايضاً اكتفاء ذاتيا للشعب الصيني في مجال الصناعات الخفيفة والتحويلية. وبينما كان ماو متفرغاً خلال هذه المرحلة لعملية البناء الداخلي كان رفيقه شوان لاي يتولى دور الشئون الخارجية التي كان محورها صراعاً متجدداً مع الولايات المتحدة. المرحلة الثانية في مسار الثورة الصينية التي امتدت مساحتها الزمنية من منتصف عقد السبعينيات الى مطلع عقد التسعينيات كانت مرحلة تحديث الاقتصاد بكافة فروعه. دينغ هشياو بنغ خليفة ماو وشوان لاي كان المهندس الاعظم لهذه المرحلة الجديدة. باكمال الاكتفاء الذاتي في كل شيء من الخبز الى السيارة قضى تخطيط القيادة الصينية الجماعية بدخول حلبة التنافس في ميدان التجارة الدولية مما تطلب ان تبرز قيادة من طراز جديد مسلحة برؤية تكنغراطية وبصيرة بمتطلبات العالم والعصر. المرحلة الثالثة في مسار الثورة الصينية هي التي انتهت لتوها: مرحلة دخول الاقتصاد الصيني عصر التكنولوجيا العالية والتي تولى قيادتها جيانغ زيمين منذ بداية عقد التسعينيات بعد ان فرضت الصين نفسها في الأسواق العالمية كمنافس يزاحم الولايات المتحدة واليابان حتى داخل السوق الأميركية نفسها من ناحية وكأكبر قوة اقليمية في آسيا. الآن بذهاب جيانغ زيمين وصعود «هاو جين تاو» تستشرف الصين دخول مرحلة الدولة العظمى الاكبر خلال السنوات العشر المقبلة.. وهي مرحلة سوف يتسارع ايقاعها مع تسارع عد عكسي للقوة الاقتصادية للولايات المتحدة. ومرة اخرى اقول انه لو نهض من بين صفوف العرب زعامة عملاقة من الطراز الناصري لرأى فرصة نادرة يقدمها التاريخ لشراكة بين الأمة العربية ودولة المستقبل العظمى.