الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 قبل الدخول في تفاصيل الحوار الفتحاوي - الحماسي، الذي جرى برعاية مصرية، لا بد من القول أن هذا الحوار جاء نتيجة ظروف قاهرة أملتها جملة الاحتياجات الداخلية لطرفي الحوار من جهة، وظروف الصراع الجاري مع الاحتلال والمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية من جهة أخرى، فعلى الصعيد الداخلي شهدت الحركتان فتح وحماس حالة من التداعيات غير المحسوبة، بسبب الصراع الجاري مع الاحتلال، الأمر الذي خلق جملة من التناقضات والخلافات السياسية والتنظيمية الداخلية عند كلا الحركتين، فحركة فتح «حزب السلطة» شهدت بروز مجموعات مقاتلة، على سبيل المثال، لم تكن في الحسبان مثل كتائب الأقصى، التي بدأت تتناغم مع القوى الفلسطينية الأخرى الرافضة للحلول السياسية المطروحة، والتي بدورها بدأت تنذر بعهد ازدواجية فتح والسلطة الفلسطينية في آن معاً؛ مما أضعف سلطة اللجنة المركزية لفتح من جهة والحزب القائد سلطوياً من جهة أخرى، هذا الأمر شكل كابوساً بالنسبة لصانع السياسة الفلسطيني، إن وجد، وبدأ يفوت الفرص المطروحة على كل الحلول القائمة بما في ذلك الحلول الأمنية، حيث بدأت بعض التنظيمات الفلسطينية كحركة الجهاد والجبهة الشعبية، حسب استطلاعات الرأي المتكررة تحصد شعبية فائقة على حساب جسم فتح الذي لا يزال ولو نظرياً الحزب القائد، على الأقل من قبل السلطة ذاتها، حتى حماس لم تكن هي الأخرى بعيدة عن حصد مثل هذه المغانم الجماهيرية والسياسية إذا جاز التعبير بأنه لا تزال هناك ثمة مغانم سياسية تذكر. هذه الحالة التقريبية، خلقت ثلاث وجهات نظر، داخل فتح والسلطة في آن معاً، الأولى تنادي بضرورة البحث عن مخارج سياسية من شأنها أن تفضي لعودة التفاوض، بذريعة تخفيف الحصار ورفع الظلم اليومي الذي تفرضه آلة الاحتلال العسكرية؛ أما الثانية فتنادي بضرورة ترشيد الانتفاضة وضرورة العودة إلى الحجر والتظاهر، وهي وجهة النظر الأكاديمية، التي تفصح عن ذاتها كل يوم في كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة؛ أما الثالثة فهي تمثل الاتجاه المقاوم والذي تعبر عنه كتائب الأقصى كما أسلفنا القول. هذا الوضع المتشظي دفع قيادة فتح إلى العمل على تجاوزه، من خلال فتح الحوار مع الحزب الموازي المتمثل بحماس، بهدف تجاوز المحنة الداخلية التي تعيشها حركة فتح والسلطة معاً. بموازاة ذلك، لم تكن حركة حماس بمنأى عن التقسيمات والخلافات التي تعيشها حركة فتح، بحيث بدأت تظهر الكثير من الاجتهادات السياسية المتباينة داخل الحركة بين قيادة الداخل والداخل من جهة والداخل والخارج من جهة أخرى، مما دفع بعض قادة الحركة إلى التفكير بالعودة إلى الحوار، باعتبار ذلك خطوة إلى الأمام لتجاوز الخلافات الداخلية، خاصة وأن بعض القيادات الحماسية رفضت هذه الخطوة جملة وتفصيلاً، بل أكثر من ذلك نأت بنفسها عن الخوض في هذا الحوار، بصرف النظر عن الجغرافيا التي جمعت بين طرفي الحوار. هذا بالنسبة للاحتياجات الداخلية، أما ما يخص الوجه الآخر والاهم، فقد توصلت كلتا الحركتين، الى أن كل واحدة منهما لا يمكنها أن تهزم الأخرى، بصرف النظر عن وسائل القوة أو امتلاكها، وأن الصراع على مشروع الحزب القائد لن يفضي إلى نتيجة مرضية لكلا الطرفين، بمعنى أدق أن استعراض القوة التي مورست في قطاع غزة، والذي ذهب ضحيته أحد ضباط الأمن الفلسطيني، كان رسالة مهمة بضرورة البحث عن وسائل وآليات بهدف إيجاد حالة من التصالح، من شأنها أن تفضي بالنهاية إلى تفاهم مبدئي لاقتسام الكعكة هذه المرة بين طرفي مشروع الحزب القائد، خاصة بعد أن توصل الطرفان إلى حقيقة دامغة مؤداها، بأنه لا مناص من العودة إلى ترتيب المؤسسات الفلسطينية، بداية من السلطة التشريعية مروراً بالتنفيذية، وانتهاءً بمؤسسة الرئاسة نفسها، أي أن الحركتين توصلتا لمرحلة صعبة لا يمكن الخروج منها، إلا ببدء الحوار والتوصل إلى نتائج سياسية تنظيمية، من شأنها أن تخفف من الأخطار المحدقة بكلا الطرفين، وتؤسس لارضية تتجاوز شكل المؤسسات المعلبة المفروضة من الخارج على شكل إتاوات وشروط، قد تصل إلى ما يقال عنها تعجيزية، ومن ثم قد تعصف بأحلام الحركتين بآن معاً. أكثر من ذلك، أن الأخطار الأمنية الخارجية بدأت بتضييق الخناق عليهما، وأن المشاريع الأمنية القادمة الموجهة ضدهما، أصبحت تنذر بالكثير من المخاطر، والتي بدأت تتهدد أكثر مستقبل الحركتين واستمرارهما، خاصة بعد أن ضعفت أطواق الحماية الإقليمية التي كانت قائمة من قبل بعض الأطراف الإقليمية ذاتها، بسبب تراجع حظوتها على المستوى الدولي بسبب المتغيرات التي أفرزتها أحداث 11سبتمبر. لكن بعيداً عن الهواجس والإشكاليات الداخلية، لا بد من التوضيح، وحسب بعض المصادر المقربة من كلا الحركتين، أن المشروع السياسي الاميركي المطروح تحت اسم «خارطة الطريق» اصبح أمراً واقعاً ولا بد من التعاطي معها، لأن الخيارات السياسية أصبحت قليلة جداً ويجب اغتنام الفرص المتاحة ما أمكن ذلك، بل أكثر من ذلك، أن توقيت هذا الحوار جاء بالتوازي مع زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي سترفيلد الذي يحمل على ما يبدو، في جعبته جملة من الخطط والآليات بهدف أخذ الموافقة المبدئية من الفلسطينيين والإسرائيليين والمحيط العربي أيضاً، ليتسنى طرحها على اللجنة الرباعية كأرضية صالحة للتفاوض، بصرف النظر عن كل التصريحات التي أطلقها قبل بداية جولته المرتقبة إلى المنطقة، والتي أوضحت بأنها مجرد زيارة استطلاعية وحسب. لكن بالمقابل، علينا أن لا نستكين إلى الآمال المعقودة على الحوار، على الرغم من أهميتها فلسطينياً، خاصة إذا ما أدركنا أن قضايا المحاصصة والنسب والانتخابات لا تزال تقبع في حيز التسويف والتكهنات، بالإضافة إلى المشروع الاميركي الذي لا يزال يلقى الكثير من الممانعة عند بعض أطراف حماس وفتح في آن معاً. لكن السؤال الأهم إذا ما توافقت حماس وفتح على حلول وسط، ما هي الضمانات التي من شأنها تثبيت ما توصل له الطرفان، حتى على المستوى الداخلي لكل منهما؟ ـ كاتب فلسطيني