الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 سيكون من السذاجة ان يتعامل الفلسطينيون والدول العربية والقوى الدولية المساندة لهم، مع «خطة الطريق» الأميركية باعتبارها مشروعا جديا لتسوية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ففضلاً عن ان لدى الادارة الأميركية مقاصد واضحة من وراء هذه «المبادرة» الجديدة، ابرزها إلهاء الدول العربية والقوى الدولية المهتمة بالمشكلة الفلسطينية وتحويل انتباهها عن الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، تتخذ الحكومة الاسرائيلية من الخطة موضوعا للتنافس والمزايدة في بازار الانتخابات العامة المفتوح حالياً، سواء ما بين شارون ونتانياهو للفوز بزعامة حزب الليكود اليميني المتطرف، وبالتالي برئاسة الحكومة المقبلة، او بين حزبي ليكود والعمل. وفي جميع الأحوال فان موضوع التنافس الرئيسي هو حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعه والاستيلاء على ما تبقى من أرضه المستباحة، والتنكيل به على نحو لم يشهده العالم من قبل. هناك من يصف «الخطة» الأميركية الجديدة بانها قنبلة دخانية من شأنها ان تحجب الكثير من الحقائق المرتبطة بالصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، ومن بينها على وجه اخص الممارسات الاسرائيلية الحالية في الاراضي المحتلة، والدور المرسوم لاسرائيل في اطار ما يسمى بـ «مكافحة الإرهاب»، وما تخطط له الحكومة الاسرائيلية للافادة القصوى من ظروف الحرب الأميركية المرتقبة ضد العراق وانشغال العالم بوقائعها ومجرياتها، عند اندلاعها بعد شهر او شهرين بحسب التقديرات السائدة. والأمر يصبح اكثر مدعاة للاهتمام نظراً لان الخطة الأميركية ستغدو خطة دولية عندما تتبناها اللجنة الرباعية الدولية المشكلة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، على غرار ما حدث بالنسبة للمشروع الأميركي المتعلق باستئناف مهمة المفتشين الدوليين في العراق. سلبيات عديدة ويرى المحللون ان الخطة الأميركية تنطوي على سلبيات كثيرة. فهي، فضلاً عن انها متميزة في منطلقاتها الاساسية حيث تميل الى تحميل الفلسطينيين مسئولية العنف في الاراضي المحتلة، بينما تتجاهل حقيقة ان الاحتلال الاسرائيلي هو مصدر العنف ودافعه الرئيسي، تترك زمام الموقف في ايدي مجموعة الضغط في البيت الابيض، وفي يد الحكومة الاسرائيلية وبذلك تتحقق للجانبين عدة فوائد مؤكدة، في حين يتعرض الجانب الفلسطيني الى ضغوط من مختلف الجهات. ومن ابرز هذه الفوائد: ـ اميركيا: تحاول الادارة الأميركية ان تبدو امام الدول العربية بأنها موزعة للاهتمام بين قضيتي العراق وفلسطين ولا ينحصر اهتماها في القضية الأولى فقط. لكن هذه المحاولة تتخذ شكل مناورة مكشوفة. فهناك قناعة راسخة لدى مختلف الاطراف العربية والدولية بأن ادارة الرئيس جورج بوش تريد ان يبقى اهتمامها مركزاً على موضوع العراق، وقد بذلت محاولات حثيثة مع الأطراف المعنية لتهدئة الموقف في الاراضي الفلسطينية المحتلة، حتى لا يؤثر الموضوع الفلسطيني على الاستعدادات الجارية لغزو العراق. ومع ان الاطراف المعنية تدرك بأن الامر ليس سوى عملية خداع وتضليل واضحة فهي لا تستطيع إلا ان تبدى تجاوبها وتعاونها، ولو ان ذلك يشكل مضيعة للوقت ومساهمة في الايهام بان عملية التسوية السياسية مستمرة، وبان الدور الأميركي في هذه العملية لا يزال نشطاً ومؤثرا. كذلك فان الادارة الأميركية تستغل عامل الخوف الذي يستبد بالعديد من دول المنطقة، انطلاقا مما يجري إعداده للعراق، فتحاول الحصول على دعم مجاني لأي اقتراحات تقدمها في شأن الموضوع الفلسطيني. وبذلك يحدث نوع من الربط غير المباشر بين الاثنين، على الرغم من ان الولايات المتحدة لا ترتاح، عادة، إلى مثل هذا الربط نظراً لأنه قد يترتب عليها التزامات لا تريدها. اسرائيل تستغل الخطة ـ اسرائيليا: على الرغم مما يبدو وكأنه قلق داخل حكومة ارييل شارون من «خطة الطريق» الأميركية، إلا ان الواقع يشير الى عكس ذلك تماما وثمة اسباب عديدة تؤكد ذلك: 1ـ من الواضح ان الحكومة الاسرائيلية تتعامل مع الخطة الأميركية كما تعاملت مع مشاريع عديدة سابقة، اي في صورة انتقائية، فتأخذ من بنودها ما تشاء ثم تهمل الباقي، ودون ان يترتب على سلوكها اية نتائج سلبية، أو اي مسئولية. ومع ان الخطة الأميركية طرحت في سوق المزايدة الانتخابية بين شارون ونتانياهو، فهناك وجهة نظر اسرائيلية ترى في الخطة جوانب ايجابية عديدة لمصلحة اسرائيل. ذلك انها تعتمد طريقة التدرج في المسيرة السياسية والانتقال من مرحلة الى اخرى وفق «اختبارات تنفيذية عملية وليس على اساس جدول زمني متشدد. كما تشكل الخطة ـ بحسب وجهة النظر ذاتها ـ تراجعا عما تضمنه خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش (24 يونيو الماضي) والذي تحدث فيه عن دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، في حين تتحدث «خطة الطريق عن دولة مؤقتة تقام بالتفاهم بين الطرفين. اي انها تحتاج الى مفاوضات لاحقة، مثلها مثل قضايا الوضع النهائي المشروطة بمفاوضات مباشرة مع اسرائيل. 2ـ لم تؤثر الخطة الأميركية على السياسات والاجراءات الاسرائيلية المطبقة في الاراضي الفلسطينية المحتلة. بل على العكس من ذلك، فقد اعتمدت هذه السياسات مزيداً من التصلب والعدوانية مع تسلم شاؤول موفاز مهام وزارة الدفاع في حكومة شارون. وتقوم قوات الاحتلال الاسرائيلي حاليا باجتياحات واسعة استهدفت العديد من المدن والمناطق الفلسطينية. 3ـ وفقا لما نشرته الصحف الاسرائيلية، فإن الادارة الأميركية اخذت بعين الاعتبار الرغبة الاسرائيلية بالتمهل في بحث «خطة الطريق» بسبب انشغال حكومة شارون بالانتخابات العامة التي ستجري خلال الاسابيع المقبلة. ومن المفهوم ان حكومة شارون غير مؤهلة ـ بعضها الحالي المؤقت، وبسبب المزايدات الانتخابية التي يخضع الجميع لتأثيراتها ـ لاتخاذ قرارات استراتيجية، وهذا يعني انه لابد من الانتظار الى ما بعد الانتخابات العامة الاسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة حتى يصبح من الممكن البحث في عملية التسوية السلمية، لاسيما وان الانسجام مفقود تماما بين شارون ووزير خارجيته نتانياهو، برغم ان الكثير من الصفات العدوانية تجمع بينهما. 4ـ لم يتأثر النشاط الاستيطاني الاسرائيلي، الواسع النطاق بالاقتراحات الأميركية، لان الولايات المتحدة لا تمارس اي ضغط على الحكومة الاسرائيلية لحملها على التوقف عن انشاء مستوطنات جديدة، برغم قناعة واشنطن بأن المستوطنات المخالفة للشرعية الدولية ولقرارات الامم المتحدة، هي المعيق الأول لمسيرة التسوية السلمية. 5ـ مع ان الحكومة الاسرائيلية تتخذ موقفا سلبيا من «خطة الطريق» الأميركية، كما تواصل التنكيل بالشعب الفلسطيني، فهي تتوسلها لابتزاز الادارة الأميركية، بذريعة تشجيعها على اتخاذ موقف ايجابي من الطروحات الجديدة. وبذلك تبلغ عملية الخداع، من الطرفين الأميركي والاسرائيلي، حدودها القصوى. مسئولية المأزق الحالي ان المأزق الذي تواجهه العملية السلمية الآن ناشيء عن تعمد الادارة الأميركية عدم الاعتراف بأن الحكومة الاسرائيلية، التي حظيت وتحظى من الرئيس بوش بثناءات متكررة، لا تملك اي مشروع سياسي يمكن ان يتضمن الحد الادنى من شروط تحقيق السلام في المنطقة. واذا ما استجابت هذه الادارة لطلب حكومة شارون تقديم الدعم المادي لها، بدافع الرغبة في تهدئة الجبهة الفلسطينية للتفرغ لجبهة العراق، تكون قد اسهمت مرة اخرى في تشجيع التطرف والعنف في المنطقة. فتقوية الموقف الاسرائيلي السلبي هو بمثابة اعطاء جرعات اضافية للعدوانية الاسرائيلية وللارهاب الاسرائيلي، والذي لا يدفع ثمنه الشعب الفلسطيني وحده، وانما منطقة الشرق الأوسط بكاملها. ان «خطة الطريق» الأميركية لا تعدو ان تكون حقنة مخدر جديدة للتأثير على ادراك شعوب المنطقة ووعيها. فالمطلوب في هذه المرحلة بالذات ان تبقى شعوب المنطقة غائبة عن الوعي تماما حتى لا تدرك حقيقة ما ينتظرها على يد الادارة الأميركية. ـ كاتب لبناني