الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 تتعدد الادبيات السياسية العربية هنا وهناك لتتفق في الاخير على ان العرب يواجهون كارثة بكل المقاييس، ليس اقلها اننا عاجزون عن تحقيق حد ادنى من التضامن في زمن يتضامن فيه اعداؤنا وخصومنا والعالم بأسره، لكن هذا الاتفاق الذي يجمع العروبة من المحيط الى الخليج، يناقضه اختلاف جوهري على توصيف الكارثة وتحليل اسبابها وقراءة خفاياها وبالتالي اقتراح حلول للخروج منها وتجاوزها. فقد تمت «أدلجة» التوصيف العربي حيث استعمل كل متكلم مراجعة العقائدية السياسية، لا ليصف حالة الضعف والوهن في الجسم العربي، بل ليؤكد للناس انه هو على حق وان «ايديولوجيته» كانت الأصح ولكن الناس لا يعلمون فالمتعصب للقومية قال بأن القومية هي التي خانتنا وافتقدناها منذ الخامس من يونيو 1967 ويا ليت عبدالناصر كان موجوداً بيننا، والمتطرف المحترف التكفير قال إننا في جاهلية، والبعثي القطري (من القطر بضم القاف) مناقض للبعثي القومي لكنهما متفقان على ان مبادئ وتعاليم ميشال عفلق تم تناسيها وهي فيها الترياق لمعضلات العرب، والشيوعيون قالوا كان لينين مصيباً وستالين حكيماً وماركس راجما بالغيب، اما الليبراليون فينادون بجنة الحريات العامة والخاصة وحريات الاسواق والاعناق والاخلاق ويتحسرون على ان العرب لم يتبعوهم. ونحن اليوم في وضع غريب حيث يعاملنا اعداؤنا كأمة واحدة في شلة واحدة، لا فرق بين هذه الايديولوجية وتلك ولا حدود تذكر بين هذا وذاك ولا بين وطن عربي وآخر، واستوى حالنا لدى خبراء الاستراتيجية الاميركية ووكلائهم الصهاينة. وها نحن نطالب اسرائيل بأن تترك في مقر الرئيس ياسر عرفات غرفة وحماماً ونطالبها بمجرد الانسحاب من هذه المدينة او هذا المخيم، ونختلف حتى في وصف العمليات الفدائية الفلسطينية الاخيرة ـ وآخرها يوم السبت الماضي حيث تم قتل 12 عسكرياً ومستوطناً مجيشاً في الخليل ـ كأنما الفداء المشروع يحتاج الى اجازة عربية او دولية وهو مقاومة منتصرة بإذن الله. أصبحنا نختلف على موقف موحد من ضرب العراق لأنه مهما كانت مصائب نظامه واخطاؤه السابقة فإن الامر يتعلق بمبدأ لا عربي وانما دولي لا يجيز العقاب الجماعي ولا يجيز الكيل بمكيالين: واحد للعرب وواحد... لاسرائيل. وأصبحت المخططات الاميركية قصيرة النظر وغير العادلة تدان في عواصم اوروبا اكثر مما تدان في عواصم العرب.. حتى ان «مانشيت» صحيفة فرنسية هي «نوفيل سوليداريتي» عدد 10 نوفمبر 2002 كانت اكثر جهراً برفض الحرب من الصحف العربية، حيث عنونت تلك الصحيفة الفرنسية على ستة اعمدة تقول: «بوش وشارون متهمان بجرائم ضد الانسانية»! وفي مظاهرة فلورنسا بايطاليا خرج نصف مليون محتج على التهور في محور الجنون، ونقرأ الاغلبية الغالبة في الصحف الالمانية والبلجيكية والنمساوية فنشعر بأن هناك اتفاقاً على تحليل وتقييم الكارثة العربية، بدون ايديولوجية وبدون مرجعيات سياسية الا مراجع الاخلاق الدولية ومصالح السلام العالمي ومفردات القانون الدولي. وفي هذا المنعرج الخطير كنا نأمل ان تتصدى جامعة الدول العربية لهذه المعضلات بالدرس والتمحيص، لكننا شعرنا بهذا التبدل الذي طرأ على السيد عمرو موسى فأصبح يتكلم نفس كلام سلفه السيد عصمت عبدالمجيد، وخفت حدته الطبيعية وهدأ مزاجه المتمرد وخفت صوته المرتفع عادة وكثر أدبه الدبلوماسي، وفي النهاية دخل الى قالب جامعة الدول العربية ـ بيت العرب ـ فاندمج اندماجاً وانصهر انصهاراً وفقدنا صوت صدق.. كان يلعلع ويشعشع في المنابر حين كان يتولى خارجية مصر، ثم راح يقتنع بالواقع واصبح واقعياً وصار يريد اقناعنا بالواقعية وفضائل الواقعية.. بينما واقعيتهم هي الاستسلام والخضوع للواقع، اما الواقعية الحق التي حررت الشعوب وأيقظت الامم فهي ارادة تغيير الواقع. انها كارثة عربية ولكنها كارثة غياب الوعي وغياب التضامن وغياب قول الحق.. لا في حضرة سلطان جائر هذه المرة، بل في حضرة نظام عالمي جائر.. يريد ان يصفي قضية فلسطين في لحظات غفلتنا التاريخية وانشغالنا بالعراق.. والحق انها قضية واحدة لا قضيتان، تجري احداث الاولى في نابلس وهي مستباحة محاصرة واطفالها شهداء، وتجري احداث الثانية ما بين معابر مجلس الامن وفريق التفتيش برئاسة هانس بليكس. اما الفصول القادمة فيعلم خبراء الاستراتيجية الخفية السوداء في اميركا اين ستقع ومن هي الضحية القادمة وما هي الحدود الجديدة في الخرائط المعدة للمنطقة على ضوء مصالح تجار النفط الاميركان وصناع مصائر الشعوب؟ ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com