الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 ربما هي الشعوب العربية المسلمة، وليس كل المسلمين، التي يتجمد معظم مواطنيها في رمضان أمام شاشات التلفزيون لمتابعة المسلسلات المختلفة المعروضة على الشاشة الصغيرة تباعا، وأيضا لمتابعة البرامج التلفزيونية الخفيفة . وفي بعض الأوقات يزيد من متعة هؤلاء ـ أو يبدو انه يسلي فطورهم ـ ما يسمعوه فيما يُتداول في مجالسهم النيابية، أو ما يقرأوه في صحفهم اليومية من أخبار تبدو اقرب للفكاهة منها إلى الجد. بقية خلق الله المسلمين من غير العرب ينصرفون في هذا الشهر إلى ما انصرفوا إليه قبله وبعده، وهو الإنتاج الذي ينفع الناس في الأرض. يتجمع الكثيرون عندنا لمشاهدة حلقات تبث تقريبا في كل المحطات التلفزيونية العربية، وهي حلقات «أميرة في عابدين» التي تناقش موضوعاً أثيراً للكثيرين وهو السرقات من البنوك والفساد الذي يكاد يسود طبقة بكاملها في مجتمعاتنا العربية، أصبحت ممارستها الفساد المالي والإداري، ومن كثرة ما استهلكت أخبارها في وسائل الاعلام العربية، وكأنها شيء طبيعي من جملة الأشياء الطبيعية التي تواجهنا في حياتنا اليومية، أو عمل روتيني متوقع. ربما لا يوجد مثل هذا الفساد في مجتمعات أخرى على نفس «الشاكلة» وبنفس المستوى إلا في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، بعد تلاشي الإمبراطورية السوفييتية، ولكنه تحول هناك إلى مافيا حقيقية، وهو يتحول في بعض بلداننا العربية أيضا إلى مافيا، فكثيرا ما نرى ونسمع أن هناك من يسند هذا الفساد الى «الطبقات العليا» كما هو مجسم في مسلسل «أميرة في عابدين» السابق الذكر، الذي كتبه باقتدار الكاتب أسامة أنور عكاشة، ولو أني اعتقد أن سير الحلقات، حتى الآن على الأقل، يجر المشاهد البسيط إلى التعاطف مع الفاسدين أكثر من الاشئمزاز من أعمالهم، من خلال تعاطفه مع مشكلات أميرة بطلة الحلقات، المتورطة والبريئة في نفس الوقت. وتكاد الصدف أن تجمع بين التلفزيون والفساد وبين إصدار حكم في مصر على احد كبار العاملين في التلفزيون المصري يقضي بسجنه ثمانية عشر عاما لثبات تهمة «الفساد» عليه، نتيجة قبوله ـ هذه المرة ـ رشاوى مقابل إظهار البعض في برنامج تلفزيوني صباحي يتابعه ملايين المشاهدين . ولم أر في المقابل أي اسم أو إشارة أو تجريم لمن دفع تلك الرشاوى لذلك الرجل المدان مع أن الموضوع يستحق في رأيي المناقشة أيضاً من منظور التكالب على الظهور في وسائل الأعلام، وخاصة الشاشة الصغيرة، من اجل تمرير صفقات شخصية وأو تجارية، وهو استخدام وسيلة الاعلام في صيرورة الفساد، التي لم تظهر في أي مجتمع سابق حسب علمي. ويبدو أن التوجه العربي للخصخصة الاقتصادية، الذي تأخذ به بعض دولنا من اجل الخروج من المأزق الاقتصادي الذي تسببت فيه سياسات سابقة جعلت الدولة هي المهيمنة على الاقتصاد والمتحكمة بالتالي في المجتمع، قد أوقع بعض المجتمعات العربية في سوء الانفلات الاقتصادي غير المقنن، فأصبحت الحيتان الكبيرة تأكل ما توفر لها من مال وعقار وصناعة هي سائبة في تقديرها، وهو مال بدا سائبا في ظل بيروقراطية هشة وضعيفة وقابلة للاختراق بسهولة، نتيجة تدني العائد عليها من وظائف متواضعة الأجر من جهة، وقوانين سريعة العطب من جهة أخرى. ولا يخرج المسلسل التلفزيون الثاني الذي يقبل عليه جمهورنا هذه الأيام ـ ربما بسبب أبطاله وخاصة الممثلة الجميلة والقديرة يسرا ـ وهو مسلسل «أين قلبي»، يتحدث عن نفس التيمة الرئيسية ولو من زاوية مختلفة، وهي الفساد في ترخيص المباني وشراء الذمم لبناء العمارات الشاهقة التي سرعان ما تتهاوى على رؤوس سكانها. إلا أن هذا المسلسل يغوص أكثر في عمق المشكلات التي تواجه بعض المجتمعات العربية وهي العلاقة بين الموقع السياسي والنفوذ المالي غير القانوني، وذلك عندما يقرر صاحب الأبراج السكنية، الذي وصلت أموال رشوته للجميع في المؤسسة البيروقراطية الحكومية، أن يرشح نفسه للمجلس المنتخب، حتى يأتيهم من أعلى مثل ما أتاهم من أسفل، ولا يريد في هذا المسعي أن يقف احد في طريقه، حتى لو كان ذلك بالابتزاز والخطف وربما بالقتل. هنا يتجلى الربط بين صاحب النفوذ السياسي والفساد واضحاً وبيناً، وليس قاصرا على بلد عربي بعينه. من اجل ذلك يتسمر الناس في بلادنا كل ليلة أمام التلفزيون العربي، الذي يحظى بمشاهدة غير مسبوقة في رمضان، عكس كل المجتمعات الإسلامية غير العربية، لان مثل هذه المسلسلات تنفس عن المواطن العربي ما يعرفه عن ارض الواقع على سبيل اليقين لا الصورة.لكن عندما يتم القبض على الراشي، والسارق والفاسد في آخر ليالي شهر رمضان، يتنفس المشاهد العربي الصعداء، ويخرج إلى أيام الفطر ظنا منه، أن مشكلات الفساد التي يعرفها قد حلت على الشاشة.. وفي الواقع أيضا، وهنا نرى أن شاشات تلفزيوننا العربي تعمل كنوع من المخدر اللذيذ التي يتعاطاه الكسالى من شعبنا. لقد شغلنا العام الماضي بزوجات «الحاج متولي»، وكان ذلك المسلسل دليلاً على فحولة الرجل العربي، وننشغل هذا العام بمسلسلات الفساد. وإذا كانت الرسالة في العام الماضي أن زواج الأربع هو خير وبركة، وبه يستطيع الجميع العيش في وئام وسلام، فان مسلسلات السنة الحالية تقول لنا أن الفساد ضرورة من ضرورات الحياة، وهو شيء موجود وممارس، ويحميه أيضا الكبار في مجتمعاتنا العربية. أتذكر ندوة حول الأعلام حضرتها في مؤتمر دافوس في سويسرا منذ سنوات خلت وكانت بعنوان «الإعلام المعاصر ضرره وقدرته» وكان الحديث عن وسائل الأعلام وتأثيراتها الكبيرة في حياة الشعوب وخاصة في العالم الثالث، حيث تبارى المتحدثون في الإسهاب بالكلام عن حجم وسائل الأعلام في بلدانهم، من عدد الصحف المطبوعة، وعدد أجهزة التلفزيون ومتوسط أجهزة الراديو، فقام شيخ من جمهورية الهند أثقلته التجربة الإنسانية والعملية، وذكر عدداً متواضعا لأجهزة التلفزيون في بلاده، وعندما التفت إليه الجميع متسائلين بفضول عن ضآلة هكذا عدد، دار بعينيه على الجميع ثم أردف: أنا سعيد بالعدد الصغير في بلادي لأجهزة التلفزيون، لأنه يحمل رسالة. ثم ابتسم وقال: والرسالة غير جاهزة في الهند اليوم. يا لها من حكمة تُحمل الينا من الهند، وتفيدنا بأن الشعوب التي تفقد رسالتها تستعمل وسائل الأعلام الحديثة استعمالا مضرا خلافاً لما صنعت من أجله، فها هي محطات العرب التلفزيونية التي تتكاثر كالفطر تتسابق في رمضان على الخفيف والممجوج في برامجها التي تسميها «خفيفة ومسلية»، وكأن إيذاء الناس وإحراجهم وبيان ضعفهم هو عمل يضحك الآخرين. وحتى لو وافقنا على فلسفة الضحك كعامل ترفيه مقبول، فما هي الرسالة المراد بها من مثل هذه البرامج الخفيفة إلى درجة السماجة؟ قد يقال تسلية الصائم، وهو عذر أقبح من ذنب، أما البرامج التي تناقش مشكلاتنا العربية فهي ـ في الغالب ـ أما تروج للسيئ والمسيء، أو هي ـ في أغلبها ـ مليئة بعددٍ من الأخطاء الجغرافية والتاريخية، التي ترسخ في ذهن المشاهد وكأنها حقيقة يقينية لا تقبل الشك أو المناقشة. يساعد التلفزيون العربي اليوم، إلا فيما ندر، على تأكيد تغييب الوعي لدى المواطن العربي، وهو عمل ينشط أكثر ما ينشط في رمضان. لذا فان للفساد ألواناً، وإن كان له أميرة فهي الشاشة الصغيرة ومن خلفها جهل بالرسالة التنموية المطلوبة. وإذا صح القول أن الحب هو صداقة مخلوطة بالموسيقى، فان الرسالة التلفزيونية العربية في معظمها هي تغييب عن الوعي بألوان ملونة وباهرة. ـ كاتب كويتي