الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 حين نتحدث عن برامج الاطفال المقدمة على شاشات التلفاز تتدافع علينا جملة من الخواطر والرؤى، وتراودنا جملة من الاحلام والاماني، وتهب علينا نسائم الرجاء في ان يعقل القائمون على برامج الاطفال اهمية كسر الحاجز التقليدي الذي حصرت فيه تلك البرامج، ووضع تصور جديد للفكرة التي تقوم عليها برامج الاطفال بحيث يصبح الطفل شريكا كاملا في اعداد البرنامج وفي تنفيذه كذلك. ولسنين عدة اقتصر الهدف من تقديم برامج للاطفال على اشاعة اجواء لهو وتسلية يحوز من خلالها الضيوف الصغار على بعض الهدايا وينصرفوا الى بيوتهم بين سعيد فرح لهدية استقرت في حجره، وبين مغضب معاتب تخطاه الحظ وحرمه من شيء من تلك الهدايا والجوائز التي فاز بها صديقه وكان هو الاولى ـ حسب رأيه الخاص ـ ان يفوز بها!! فهل تقدم اعلامنا خطوة واحدة في مجال الانتاج المحلي للبرامج المخصصة للاطفال، وهل تناهى الى علمه ان ذلك اللون من البرامج انما هو نقطة صغيرة في بحر العشرات من الافكار الاكثر قدرة على اثراء حياة الطفل ودعم الطفولة واضاءة شعلة جديدة الى عالمها البهيج؟! ان للاطفال حاجاتهم التي يحددها عمرهم الزمني والعقلي، ونموهم النفسي والانفعالي، ولا ترتقي برامج الاستعراض المقدمة لهم، الفارغة من المحتوى والمضمون الجيد عن تلبيتها او سد جزء منها!! اذ انها تصر على مخاطبة الطفل وكأنه كائن متخلف يردد كالببغاء كلمات منمقة، يقولها مقدم البرنامج الذي هو في الغالب شخص غير مؤهل للنجاح في مثل هذا الدور الحساس، حيث تقصر به ادواته المعرفية عن الالمام بالطرق الفعالة في محاورة الطفل، والأساليب الكفيلة بانجاح الحديث معه والارتقاء بمستوى المادة الحوارية التي يتبادلها مع هذا الطفل او ذاك، بينما يتسمر الآلاف من الاطفال امام الشاشات الفضية يبحثون عن مادة اعلامية تضيف الى رصيدهم من الخبرة والمعرفة، ولكن دون جدوى اذ يتسرب الوقت المخصص للبرنامج، وتتسرب معه أحلام صغيرة كانت تبحث عن شيء جديد!! فهل هناك عقم في التفكير يخيم على المناخ الاعلامي ويمنع من فيه عن مزاولة نشاطهم الذهني؟ ويقطع عليهم اجراء عمليات تقويم ومراجعة لتلك العروض الاعلامية ذات المستوى المتواضع، والعائد المحدود!! ألم يكن الاحرى بالمعنيين بانتاج وتنفيذ هذه المواد الاعلامية ان يتوقفوا للاجابة عن هذا السؤال المهم: ماذا قدمت تلك البرامج، وماذا اضافت من رصيد لذهن الطفل، ولخبراته الاجتماعية، ولعلاقته بنفسه وبمن حوله من الناس؟ الاجابة معروفة، والاسباب معلومة منها ما ذكرناه آنفا من غياب فكرة اشراك الاطفال في اعداد وتنفيذ المادة الاعلامية المقدمة في البرامج المخصصة لهم. ومنها ان الطفل عادة يحل ضيفا اما على مذيع ناشيء او على مذيع متقدم في السن ومحترف للاساليب التلقينية والانشائية ليدور بين الطرفين حوار ساذج ليس فيه ما يلفت النظر او يستحق الاعجاب خاصة وان مشاركة الطفل اقتصرت على اداء انشودة يحفظها اغلب الاطفال، او على الدخول في مسابقة عادية ومألوفة!! فأين الابداع من هذا الطرح الضعيف ايها المعدون والمنفذون لهذه البرامج؟ وماذا اغنيتم من حاجات الطفولة؟ وماذا اشبعتم من نهم الاذكياء والنابهين منهم الى المعرفة والاكتشاف؟ وهل يمكن تحرير الطاقات الهائلة التي تختبيء في اعماق الاطفال من خلال الانشودة العفوية والمسابقة البسيطة التي بات يراها اغلبهم اشياء غير قادرة على جذبهم اليها، او اشباع فضولهم الى معرفة الجديد حول العالم الذي ينتمون اليه؟ وماذا عن الزمن المهدور الذي تسرب من غير طائل ألم يكن من المصداقية المهنية ان توظف السنوات الطويلة من العمل في هذا الحقل الحيوي في تطوير الأداء تجاوبا مع مرور الزمن وتوظيفا له في خدمة الطفولة ودعمها؟! والى متى يستفيد غيرنا من مرور الزمن ويوظفونه في تحسين ادائهم بينما الزمن لا يعني لدينا اكثر من فرصة لاستنساخ العشرات من التجارب الصغيرة واعادة عرضها مرات ومرات؟! اغلب الظن انه ما دام الرضا والحبور بكل ما يقدم من وجبات باردة على الساحة الاعلامية هو الشعار المرفوع على الدوام، فإن الامل في تحسين هذا الواقع لا يعدو ان يكون واحدا من احلام اليقظة لا اكثر!!