الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 كثيرون اولئك الذين دبجوا المقالات والاحاديث وصنفوا كتباً كثيرة في الدعاء وفضله على المسلم. ولم لا... ألم يبشرنا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بكرم الله وفضله على عباده كما جاء في سورة غافر «وقال ربكم أدعوني استجب لكم» ألم يحذرنا خاتم الانبياء من تقصيرنا في الدعاء الى الخالق عز وجل بما جاء في سورة الفرقان اذ يقول جل جلاله: «قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم» صدق الله العظيم. وكتاب الله الكريم حافل بالدعاء الذي يعين المسلم على تطهير قلبه وانشراح صدره، بل ان فاتحة القرآن الكريم، التي نرددها سبع عشرة مرة او اكثر في اليوم والليلة، هي دعاء المسلم اليومي وترنيمته في كل وقت وحين، في تهجده وتعبده، في صلاة فرضه ونوافله، وهي ام الكتاب والسبع المثاني بآياتها السبع التي تثنى وتعاد في كل ركعة من ركعات الصلاة. وهي كما يقول الكاتب الاسلامي محمود بن الشريف باقة إلهية، وهي بآياتها السبع دفقة من دعاء محض وابتهال خالص الى الله عز وجل، تبدأ بدعاء وتنتهي بدعاء. ولعل هناك سراً إلهياً في ان تكون فاتحة الكتاب كلها دعاء، وخاتمة الكتاب كلها دعاء، وما بين الفاتحة والخاتمة عقيدة وعبادة ودعاء. وكما كانت خاتمة الكتاب دعاء واستعاذة بالله من شر النفس والدنس ومن شر الوسواس الخناس، كانت الفاتحة دعاء يبدأ بحمد الله رب العالمين، الرحمن الرحيم. والحمد وقود روحي يطهر النفس ويجدد الطاقات ويشحذ الافئدة بفيض من امن وامل ورضا، ثم ان الفاتحة ايضاً هي مع ذلك كله سؤال وتضرع من المؤمنين الى الخالق عز وجل حتى يمنحهم الهداية الى الصراط المستقيم والى الرشد والسداد والتوفيق. وقد سمى ابن عباس رضي الله عنه الفاتحة «اساس القرآن» وسماها سفيان بن عيينة «الواقية» وسماها يحيى بن كثير «الكافية» لانها كما قال تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها. والحمد بكل ما يحمل من معنى هو العلاج القوي الناجع لنفس المؤمن، اذ يشيع في النفس الامان والاطمئنان والرضا. وعندما يلهج لسان صاحب النفس المضطربة الحيرى بحمد الله ويردده بقلبه وعقله حتى يترسب في وجدانه ولا شعوره... عندئذ تتراءى له حقائق وآمال، فما كان يعتبره ضائعاً يجد فيه الخير كل الخير والغنى كل الغنى، وما كان يراه قبيحا وهو تحت ناظريه يجد فيه مسحة من جمال وجلال. وتدلل على ذلك تلك القصة التي يرويها الكاتب محمود بن الشريف عن شيخ مريض انهكته العلل والأسقام فكف بصره، وهزل جسمه وقطعت يداه، ومع ذلك كان يردد على الدوام ان «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه». وسمعه رجل فقال له متعجبا: أيها الشيخ علام تحمد الله وانا ارى فيك جميع المصائب والبلايا، فأجابه الشيخ قائلاً «انني احمد الله الذي جعل لي قلباً يعرفه، ولسانا يمجده ويذكره».... قلب ذاكر، ولسان شاكر، وانفاس تتردد بذكر الله وحمده... هذه هي كل ذخيرة ذلك الشيخ، فلم يقنط ولم ييأس، بل منحه الله نعمة الرضا والاطمئنان بعد ان حاز نعمة الذكر ونعمة الشكر ونعمة الحمد.