الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 نفهم أن تتم الترجمة من لغة إلى أخرى.. ونفهم أن ينقل الناس المعاني والدلالات بلغة الإشارة ولها رموزها وحركاتها التي حاولت أن أتعلمها حينا من الدهر ومنيت بفشل أكثر من ذريع. نفهم أيضا أن يستخدموا الماكينات في مجال الترجمة ولك ـ بعد إذنك ـ أن تعلم أن الاتحاد الأوروبي ما برح يتوسع في استخدام الحواسيب التي تقوم بالترجمة ـ باسم الله ما شاء الله ـ بين اللغات المختلفة المحكية في دوله العديدة من غرب أوروبا إلى وسطها ومن ثم إلى شرقها في مستقبل قريب. صحيح أن المترجم الآلي ـ الماكينة ـ يظل بحاجة إلى أن يتكيء على كاهل زميله المترجم الإنسان ـ البشر ـ وخاصة من حيث ربط المعاني وتحرير الدلالات وشرح الكتابات وتفسير الإيحاءات إلى آخر ما يحتويه الأداء اللغوي من مركبات لفظية يقول فيها الناس مالا يقصدون وأحيانا ـ وربما كثيرا ـ يقولون ما لا يفعلون ـ لكن تطوير مهارة الحاسوب الإلكتروني في مجال الترجمة مازال قائما ومتواصلا على قدم وساق حتى يلبي مطالب الحجم الهائل من الوثائق والاغراض التي يقتضيها تطور الاتحاد الأوروبي نفسه. ولدرجة يقال معها أن مقر الاتحاد العتيد في بروكسل يراه الزائر أقرب إلى برج بابل معاصر أو إلى مصنع هائل حافل بالماكينات والتركيبات والتوصيلات التي لا تهدأ عن عمليات الإنتاج والتحويل من لغة إلى أخرى تبادر فتقول ان هذه الأنماط من الترجمة.. البشرية والآلية أو حتى «البشر آلية» أن أجزت التعبير أمر مفهوم ومقبول. لكن الجديد هو ـ بعد اذنك أيضا ـ مسألة الترجمة بين الإنسان وأخيه الحيوان! وأصل الحكاية أن أصدقاءنا اليابانيين الكرام ساءتهم ـ فيما يبدو ـ حالة العزلة الفاصلة بين البشر والدواب.. حيث لا يفهم البشر لغة السائمة وحيث العكس بالعكس كما لا يخفى عليك.. فأزمعوا ـ اليابانيون ـ في أنفسهم أمرا ليس بالهين ولا هو باليسير. طبعا لم يكتفوا بحكاية تدريب الكلب المنزلي على أن يجلس إن أمره صاحبه بالجلوس ـ أو تعلم الخيل أن تقبل على شرب الماء إذا ما استمعت إلى الصفير أو التلويح لثور الحلبة الأسباني بمحرمة قانية الحمرة في ساحة المصارعة فإذا به يدخل في النزال ضد الفارس المصارع أو تعويد القطة السيامية الأليفة على أن تقضي حاجتها البيولوجية في مرحاض رملي مخصص مودع في زاوية لا تكاد تلمحها العيون.. دع عنك أساليب التدريب المتقنة التي تبدأ قمتها في تلقين حيوانات السيرك فنون الحركة حسب إيقاع النغم وأوامر اللاعبين وقد تنحدر إلى قاع التدريب الشعبي الساذج الغلبان على نحو ما كنا نراه من رقص القرود على إيقاع طبل بدائي في حواري القاهرة وحين كان يزورها «القرداتي» الذي لاشك اندثرت مهنته وان كانت قد احتفظت بها ـ لحسن الحظ التاريخي ـ أفلام الأبيض والاسود سقى الله أيامها الخوالي. وبالمناسبة ليس لك أن تستهين بسذاجة أو بدائية تدريب القرداتي أو عروض الحواري والازقة.. فكما كان القرد «القاهري» يستخدم في رقصة الطبول كان البعض يستخدمون القرد دون حياء في.. نشل ما تيسر من دريهمات من جيوب. المشاهدين الفقراء.. (وبالمناسبة أيضا كان القرد، ربما كل قرد، يحمل اسما نوعيا جامعا لكل الفصائل المنحدرة من غابات خط الاستواء وهو.. «ميمون ») ولم نكن ندري لهذه التسمية سببا. نعود إلى اليابانيين الذين قرروا أن يردموا هوة التفاهم وثغرة الانعزال الفاصلة بين بني الإنسان وصنف الحيوان.. أن يصطنعوا من الوسائل والماكينات والأساليب ما يكفل الترجمة ـ نعم الترجمة بكل أركانها ـ بين الطرفين.. هنالك عمد اليابانيون إلى تطوير جيل جديد من الحواسيب (الكمبيوتر) يتم استخدامه وتشغيله على أساس تكنولوجيا «التعرف الصوتي» من أجل نقل وترجمة أصوات الحيوان إلى معان وعبارات وألفاظ لغوية يفهمها الإنسان مثلا ـ ينطلق الكلب في نباحه المعروف وقد علقوا في رقبة الأبعد ـ الكلب يعني ـ ميكروفونا مخصوصا ( وارد اليابان طبعا ) ويتولى الميكروفون نقل النباح الكلبي لاسلكيا إلى جهاز الكومبيوتر الأشبه بلعبة أطفال ولما كان الجهاز مزودا بشاشة خاصة كان النباح لا يلبث أن يقول معانيه بالترجمة لتتحول إلى عبارات مقروءة بوضوح على الشاشة. ومرة أخرى ينبح المذكور أعلاه.. وهو في صحبة طفل الأسرة.. فإذا بالشاشة وقد ظهرت عليها عبارات بوسع الطفل أن يقرأها وتقول: «أنا أشعر بالملل هيا بنا نلعب». في نفس المضمار تأتي أخبار من ألمانيا تفيد بأن المهندسين الألمان عاكفون بدورهم على تطوير حواسيب الكترونية يمكنها أن تترجم للبشر لغة الحيوان. ولأن الألمان قوم عمليون منضبطون فهم يريدون تطبيق هذه الفتوحات العلمية إذا ما نضج اكتمالها على الحيوانات النافعة من قبيل خيول السباق أو أبقار المزرعة وما إلى ذلك من صنف المواشي. فحين تواصل بقرة الفريزيان خوارها المعروف يتاح للمزارع الألماني أو الهولندي أن يعرف ما إذا كانت المذكورة تريد ماء أو تعاني ألما أو تزمع إنتاج الحليب أو يضايقها شيء من بغاث الحشرات أو ـ على بلاطة ـ تريد أن تتأهل وتتهيأ لإنتاج نسخ أصغر من الأبقار والثيران. واللهم لا اعتراض على طموحات وأحلام العلماء ولا اعتراض على أن يستشرف القوم آمادا غير مطروقة ومساحات غير ممتدة في مجال المعرفة والتواصل حتى ولو كان بين إنسان وحيوان. لكن المسألة لا تخلو من عتب النقاد: ها هو الكاتب الأميركي الساخر جيمس جورمان يتساءل عن جدوى هذا كله.. وعن العائد من هذه الجهود جميعا وبمناسبة حكاية البقرات الألمانيات يقول الكاتب الأميركي: - أنا لست مزارعا يتعامل في منتجات الألبان.. ومع ذلك فطول عمري لا أحتاج إلى معرفة ما يدور بخلد البقرة حين ترفع عقيرتها بالخوار ولا أريد أن أعرف ماذا يقول صنف البقر من أصله.. فالحكاية بسيطة.. البقر يأكل ما نقدمه ونحن نحلب من ضروعه ما نحتاجه. وهنا تنتهي القصة بغير ميكروفونات ولا الكترونيات ولا وجع دماغ! وحين نشر «جيمس جورمان» هذا التعليق انتقل إلى شأن فلسفي أعمق وربما أخطر حين تساءل قائلا: طيب وماذا عسانا نصنع إذا ما تطورت المسألة وتوصل العلماء إلى اختراع آلة الكترونية تترجم المقاصد الحقيقية للبشر إذ هم في حال من تبادل عبارات المجاملات أو اللياقة أو الملاءمة أو بصراحة أكثر ـ عبارات النفاق الاجتماعي ؟ ساعتها قد يظهر المخبوء ويتكشف المستور. يقول لك مهللا: أنت واحشني. وتأتي ترجمة جهاز المستقبل لتقول: أنا لا أطيق رؤيتك! أو يقول الزوج أو الخطيب على سبيل الإطراء المهذب والكلمة الحلوة.. ما أجمل تسريحتك ـ فإذا بالترجمة الإلكترونية تكشف عن أن صاحبنا كان يستعيذ بالمولى من هول التسريحة! لهذا يختم زميلنا الأميركاني تعليقاته قائلا: - من الأفضل أن تظل أشياء في حياتنا بعيدة عن الشرح والترجمة ـ نقولها دون أن نفسرها، فإن كان ولابد من حكاية الشرح والترجمة والتفسير فأظن أن التركيز على حكاية لغة الكلاب أولى بالاهتمام ـ على الأقل لأنه أهون الأضرار وأخف العواقب.