الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 «الاتحاد الأوروبي» ناد للاعضاء فقط.. والاعضاء يجب ان يكونوا مسيحيين.. فلا مكان لتركيا اذن في هذا النادي. ويجب ابتداء ان نحمد للسيد فاليري جيسكار ديستان رئيس «المؤتمر الدستوري الأوروبي» (وهو ايضا رئيس سابق لفرنسا) صراحته في هذا القول. فما صدع به ديستان ظل ويبقى متداولا في صالونات الطبقات الحاكمة في دول الاتحاد الأوروبي. فما هو مستقبل تركيا؟ اختلاف الهوية الثقافية هو العامل الأكبر والحاسم والأساس الذي يجوز بناء عليه استبعاد تركيا من الأسرة الأوروبية. وهنا نصادف مدى صدقية جزء من نظرية «صدام الحضارات» للفيلسوف الأميركي المعاصر صامويل هنتنجتون حيث يقول ان العنصر الجوهري الذي يجعل هوية ثقافية ما تختلف عن هوية ثقافية أخرى هو عنصر العقيدة الدينية. والزعيم الأوروبي ديستان يقول شيئا من هذا القبيل وإن بطريقة غير مباشرة. فتركيا في رأيه «لها حضارة مختلفة واسلوب حياة مختلفة وتمتد جذورها إلى منطقة الشرق الاوسط». ولو قال ديستان ان تركيا ذات هوية إسلامية بينما أوروبا ذات هوية مسيحية لما احتاج إلى هذا الاسلوب الملتوي. لكن لهذا القول، على صراحته، مغزى اكبر مما يبدو للعين. فبعد ما يقارب ثمانين عاما من العلمنة لايزال قادة أوروبا يعتبرون ان الشعب التركي لم يفقد هويته الإسلامية الأصلية. وهذا صحيح. فالعلمانية يمكن ان تطبق كقوانين متجددة لتسيير أجهزة السلطة وحتى بمنع ارتداء الحجاب للنساء ومنع اقامة الصلاة في الاماكن العامة (عدا المساجد طبعا).. لكنها لا تستطيع ان تلغي الوجدان الشعبي. هذا الوجدان الشعبي المرتكز الى ارث ديني تراكم عبر قرون طويلة هو روح تركيا الحقيقية وليس فرمانات أتاتورك التي تتجدد على ادي الجيش التركي. واذا لم يدرك قادة الطبقة السياسية في تركيا المتعاقبون جيلا وراء جيل هذه الحقيقة او ادركوها لكنهم فضلوا تجاهلها للمحافظة على مصالح ذاتية مع الغرب فان القادة والمفكرين الأوروبيين يرصدونها ويتعاملون على أساسها مع تركيا ـ على الصعيد الاستراتيجي طويل المدى. ان الغرب عامة يريد ان يستغل تركيا دون استيعابها داخل الاسرة الغربية أو الأوروبية. فمرحبا بتركيا كدولة عضو في حلف الأطلسي لتكون درعا وقلعة متقدمة لحماية أوروبا من التوسع الشيوعي السوفييتي في الماضي ومن المد الاسلامي في الحاضر لكن هذا لا يعني الترحيب بشعب يتكون حاليا من 70 مليون مسلم ليكون عضوا في الأسرة الأوروبية على قدم المساواة مع الاعضاء الآخرين. هذا التناقض انعكس على ثوابت السياسة الأوروبية والغربية عامة تجاه تركيا والدور المراد لها. فبينما يشجب الاتحاد الأوروبي في الظاهر سجل تركيا المخجل في حقوق الإنسان بما في ذلك ملاحقة العناصر والتنظيمات الإسلامية فانه باطنياً يشجع الحكومات التركية على سياساتها وممارساتها في تحجيم المد الاسلامي وقمع الناشطين الاسلاميين. وبينما يعتبر الغرب حركة المعارضة الكردية في العراق حركة استقلالية شرعية فان اكراد تركيا مصنفون كأرهابيين. لكن ما الذي يدعو زعيما أوروبيا كبيرا مثل ديستان يثير مسألة الهوية التركية الآن بعد صمت غربي طويل؟ هناك اعتباران مرتبطان عضويا. فمن ناحية وصل الإسلاميون في تركيا الى السلطة للمرة الأولى منذ عهد أتاتورك.. وثانيا لم يعد أمام دول الاتحاد الأوروبي الكثير من الوقت للتسويف والمماطلة في التعامل مع طلب تركيا الانضمام الى الاتحاد. لقد حانت لحظة الحقيقة.. فكان على أوروبا ان تتكلم لتوضح عن نواياها المخفاة لتقول بصراحة: ايها الاتراك المسلمون.. لا مكان لكم في الاتحاد الأوروبي لأنه ناد مسيحي للاعضاء فقط. يأتي هذا التطور في الوقت الذي أخذ الاتحاد الأوروبي في التوسع بالقبول مبدئيا لعضوية عشر دول جديدة بينما توضع عراقيل اضافية في وجه تركيا. انها عشر دول مسيحية.