الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 عندما جاءت الولايات المتحدة عام 1990 بأساطيلها وجيوشها وطائراتها إلى المنطقة كان لهدف واضح هو تحرير الكويت، ولذلك بدت العمليات الحربيه المسماة بعاصفة الصحراء في يناير من العام 1991 محدودة رغم ضراوتها. وبعد أكثر من أحد عشر عاما تأتي القوة الاميركية نفسها وربما في زحف أكبر إلى نفس المنطقة ولكن بهدف مختلف يتأرجح حسب تقديرات المراقبين بين تصورين: 1- التصور الأول مجرد استعراض للقوة العسكرية الاميركية وإثبات أن اميركا مازالت هي القوة الفاعلة والضاربة الوحيدة في عالم اليوم، ولكي تزيل من ذاكرة العالم آثار هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي ضربت الهيبة الاميركية في مقتل وتؤكد أن هذه الهجمات لم تفل من عضد العملاق الاميركي ! 2- التصور الثاني تنفيذ إستراتيجية جديدة في الشرق الأوسط تستهدف إعادة ترتيب الأوضاع في هذه المنطقة من العالم بشكل يخدم المصالح الاميركية في المدى المنظور على الأقل. وبداية لابد من أن نقرر أن كلا التصورين وارد عند محاولة فهم الهدف من التحرك الاميركي في المنطقة وهذا يجعلنا نعرض للإختلاف بين عامي 1990 و2002، فإن أحداث الأول تمت في إطار تحالف دولي وإقليمي وحظيت بتأييد مباشر من الأمم المتحدة التي وفرت المشروعية للحملة التي استعادت الكويت. أما العام الثاني الحالي فتبدو فيه معارضة إقليمية ودولية شديدة لما تنوي الولايات المتحدة فعله والذي يتمثل حسبما هو معلن في شن عدوان عسكري على العراق بفرض نزع سلاحه والإطاحة بنظامه وفق التصريحات الاميركية. وفي اعتقادي أن الحملة الاميركية المرتقبة على العراق إذا تمت تجمع بين التصورين. مما لاشك فيه أن الولايات المتحدة ترغب إلى حد كبير في استعراض قوتها العسكرية أمام قوى دولية اخرى قد توصف بأنها قوى كامنة أو منتظرة أو مرشحة للقيام بدور مؤثر في العلاقات الدولية خلال العشرين سنة المقبلة على الأكثر وتبرز من بين هذه القوى روسيا واليابان والصين والمانيا. وقد اختارت الولايات المتحدة الشرق الأوسط ليكون ميدانها رغم ابتعاده الجغرافي النسبي عن مواقع هذه القوى، بعبارة أخرى أن استعراض القوى ليس موجها إلى دول المنطقة بقدر ما هو موجه نحو أطراف خارجية أخرى. وجاء اختيار الشرق الأوسط لسببين رئيسيين: أولهما الاعتقاد الاميركي بأن منفذي عمليات الحادي عشر من سبتمبر ينتمون إلى دول شرق أوسطية فضلا عن أن المنطقة تشهد أوضاعا ساخنة نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتعقد المشكلة الفلسطينية بشكل عام. ثانيهما.. أن هناك تواجدا قويا للمصالح الاميركية في منطقة الشرق الأوسط يتعرض لمخاطر جسيمة نتيجة تصاعد موجة العداء للسياسات الاميركية. إذن بات راسخا في الإطار المرجعى لصانع القرار الاميركي أن الشرق الأوسط وتحديدا العراق يظل الميدان المناسب لاستعراض العضلات الاميركية !! ولكن أرى أن التصور الثاني المتعلق بتنفيذ إستراتيجية اميركية جديدة في الشرق الأوسط يمثل خطورة أكثر من مجرد عرض القوة لأنه يمس بشكل مباشر مستقبل العالم العربي، وأغلب الظن أن عواقبه لن تقف عند حد العراق فقط الذي سيكون نقطة البداية لكن لا يستطيع أحد التكهن أين ستكون نقطة النهاية إذا دارت رحى الحرب. ونوضح ذلك بالقول إن هناك رابطا مشتركا بين تداعيات الأزمة العراقية الاميركية وما يحدث من تطورات على الساحة الفلسطينية. وعليه كان أمراً طبيعياً أن يسعى الرئيس الاميركي جورج بوش إلى الحصول على تفويض من الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب يتيح له إستخدام القوة ضد العراق، ويأتي معه في نفس الإطار قرار الكونغرس الذي يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل! إذن قراءة الأحداث تشير إلى أنهما خطوتان متسقتان تؤكدان أن الولايات المتحدة عازمة بالفعل على إعادة ترتيب أوضاع منطقة الشرق الأوسط ليصبح العالم العربي أمام مخطط ذي طابع إستعماري يعيد إلى الأذهان سياسات الهيمنة في القرنين الماضيين، وأن التهديد بضرب العراق ليس سوى جزء من هذا المخطط على اعتبار أن النظام العراقي متمرد ومارق وهو ما يعطي مبررا منطقيا للخطوة الاميركية المقبلة! وهنا يمكن ملاحظة أن التحرك الاميركي الحالي يرتبط عضويا مع الدور الذي تؤديه إسرائيل سواء على مستوى تنفيذ مشروع شارون الهادف إلى تصفية الشعب الفلسطيني أو على مستوى محاولة إسرائيل اختراق الدول العربية عبر خطوط خلفية وبأشكال مختلفة وأسماء غير تقليدية في الصراع العربي الإسرائيلي تتلخص في صيغة التعاون الإقليمي الثنائي أو محو العروبة وإبراز الشرق أوسطية كبديل لها. وفي هذا الإطار جاء خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش يوم الثامن من أكتوبر ليكرس هذه الاستراتيجية التي بدأ الاعداد لها منذ فترة وجيزة بمعرفة كبار مستشاري بوش برئاسة نائبه ديك تشيني. وقد لفت نظري في خطاب بوش أنه حاول أن يسوق حججا تبرر ضرب العراق الذي أذعن لقرارات الشرعية الدولية وقبل بلا شروط عودة فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة إلى العراق. وصور بوش النظام في بغداد على أنه قوة عظمى شريرة تهدد العالم وأعرب عن مخاوفه من أن يحاول الرئيس صدام حسين مهاجمة الولايات المتحدة بأسلحته الكيماوية والبيولوجية التي تطلقها طائرات عراقية بدون طيار وهكذا يرى بوش أن الأمن القومي الاميركي أصبح في خطر وشيك نتيجة تنامي القوة العراقية ! هل يعقل أن تصل قوة العراق المنهك بالعقوبات إلى هذا الحد وهل فقد العراق القدرة على رصد حسابات المكسب والخسارة بشكل يدفعه إلى التهور بمهاجمة أكبر دولة في العالم؟! وهو الأمر الذي لم يفعله أو يهدد به الإتحاد السوفييتي في أوج مجده وجبروته إبان نظام القطبية الثنائية بعد الحرب العالمية الثانية! ويقول بوش إنه بإمكان العراق أن يتفادى الحرب إذا التزم صدام حسين بقرارات الشرعية الدولية ونفذ تعهداته بالكشف عن أسلحته!! الطريف في هذا أن الرئيس الاميركي يريد شيئا التزم به العراق فعلا وهو السماح لفرق التفتيش الدولية بممارسة عملها في الأراضي العراقية. وهذا يعني أن بوش لا يثق في قدرة هذه الفرق على إنجاز عملها بل دعونا نقول أنه يخشى أن تصل العراق وتعلن أن أراضيه خالية من أسلحة الدمار الشامل وهو ما لا تريده اميركا! ويمكن القول أن بغداد قد قذفت الكرة إلى الملعب الاميركي وباتت واشنطن تبحث عن ذرائع تبرر شن عدوان على العراق وهذا ما أكده أيضا بوش عندما قال أنه إذا فشلت الأمم المتحدة في التعامل مع الرئيس العراقي أو إذا لم تخضعه للقرارات الدولية فإن الولايات المتحدة ستقود تحالفا ضد العراق إذن أصبحت الإدارة الاميركية واثقة من فشل الأمم المتحدة ومن ثم يتحتم عليها البحث عن تحالف جديد ولا أدري من الذي سينضم إليه غير بريطانيا. ولا أظن أن الولايات المتحدة ستنجح في حشد هذا التحالف المزعوم في حال فشل الأمم المتحدة في حسم الحالة العراقية إلا إذا استخدمت واشنطن أساليب الضغط والإبتزاز على دول العالم. على أي حال مازالت الأطراف الدولية والإقليمية تبدي معارضة واضحة لضرب العراق حتى كتابة هذه السطور. ولعلي أتساءل.. ماذا تريد الولايات المتحدة على وجه التحديد! بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أدركت الولايات المتحدة ـ حسب مصادرها ـ أن الخطر الذي يتهددها يتمثل في تنظيم القاعدة ومقره أفغانستان وعليه كانت الحرب على طالبان والقاعدة قبل عام والإتيان بنظام سياسي جديد في كابول أعطى شرعية للتواجد الاميركي الدائم على الأراضي الأفغانية. ورغم انتهاء حرب أفغانستان ظل هاجس الخوف من عدو غير محدد وصفته واشنطن تارة بأنه الإرهاب وتارة أخرى بمحور الشر..ظل قائما وماثلا أمام الساسه الاميركان فكان التوجه إلى الشرق الأوسط وتحديدا العراق ليكون الخطوة التالية في الحرب على الإرهاب. إذن الولايات المتحدة تريد التواجد الدائم في منطقة الشرق الأوسط وهي المنطقة الأكثر أهمية للمصالح الاميركية في أفغانستان وهل الأمر سيقف عند هذا الحد؟! أعتقد أن الهدف التالي للتحرك الاميركي هو خلع أي نظام لا يتفق مع التوجهات الاميركية التي تبلورت معالمها بعد أحداث 11 سبتمبر. ولتكن كما أوضحنا من قبل العراق نقطة البداية حيث يبقى أحد أهم الاهداف في الاستراتيجية الاميركية الجديدة هو السيطرة المباشرة على منابع النفط الذي سيظل السلعة الحيوية الأكثر أهمية خلال الخمسين عاما المقبلة على الأقل. ولا يمكن إغفال أن العراق لديه مخزون إستراتيجي من النفط وهو عامل مهم عند تحليل أهداف السياسة الاميركية في منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة! ومن هنا تصبح سياسة الهيمنة مبدأ يحكم صانع القرار الاميركي وتتحرك هذه السياسة مع تحرك آلة الحرب الجهنمية التي تنذر بإنفجار الموقف وقد يكون ذلك غدا أو بعد غد المهم أن مقدماتها تبدو واضحة مع سحبها التي أخذت تتجمع في الأفق بضجيج الأسلحة وصخب الجيوش. خلاصة القول.. إن الرابح فيما أعتقد إذا نشبت الحرب في الشرق الأوسط سيكون إسرائيل التي يتفق وقع خطى سياساتها مع أهداف الإستراتيجية الاميركية في المنطقة. فهل ستنجح الولايات المتحدة في رسم خريطة لشرق أوسط جديد يتراجع فيه التواجد العربي إلى المقاعد الخلفية في الزمن الاميركي؟! ـ كاتب مصري